الوقوف في الوضع الثاني يخنق طنجة.. ضعف وتقصير في الزجر الأمني أم أزمة تربية واحترام للطريق؟

في طنجة، قد لا تحتاج حركة السير إلى حادثة أو أشغال حتى تتعطل؛ تكفي سيارة يقرر صاحبها تركها في الوضع الثاني، لينزل لقضاء غرض، ويترك خلفه طابورًا من السيارات وأعصابًا تحترق. بالنسبة إليه، المسألة «دقيقتان فقط»، أما بالنسبة إلى الآخرين، فهي وقت ضائع وطريق يتحول إلى مساحة للتدافع والمنبهات ومحاولات المرور.

هنا تصبح أزمة السير سؤالًا عن السلوك وعن تطبيق القانون معًا. فما جدوى مسار مخصص للمرور إذا كان بعض السائقين يحولونه إلى موقف؟ وكيف يمكن ضمان انسيابية الشوارع إذا أصبح احترامها متروكًا لمزاج من يريد الوقوف أمام وجهته مباشرة؟

الوقوف في الوضع الثاني من الممارسات التي تشير إليها تغطيات محلية باعتبارها مساهمة في اختناق السير بطنجة. ورغم غياب دراسة منشورة تحدد ترتيبه بين أسباب الازدحام، فإن أثره واضح: احتلال مسار يدفع السيارات إلى التزاحم على المسار المتبقي، ويعرقل الوصول إلى أماكن الوقوف والخروج منها، وقد ينقل الاختناق إلى تقاطعات مجاورة.

«غير دقيقتين».. ومن أعطاك الحق في وقت الآخرين؟
المشكلة تبدأ حين يعتبر سائق أن قربه من المخبزة أو المقهى أو المحل أهم من حق الجميع في المرور. يريد إنهاء غرضه بأقل مجهود، ولو اضطر عشرات الأشخاص إلى الانتظار خلف سيارته.

لا أحد يجهل صعوبة العثور على مكان للركن في بعض المناطق، لكن هذه الصعوبة لا تمنح صاحب السيارة حق الاستيلاء على جزء من الطريق. ومن يختار استعمال سيارته عليه أن يتحمل أيضًا البحث عن مكان مناسب، والمشي إلى وجهته عند الحاجة.

أما تشغيل أضواء الخطر، فلا يزيل العرقلة. وترك رقم الهاتف خلف الزجاج لا يعيد فتح المسار. والبقاء داخل السيارة لا يغير شيئًا ما دام الآخرون عاجزين عن المرور. الطريق لا يصبح موقفًا بمجرد أن صاحب السيارة مستعد لتحريكها عندما يحتج عليه أحد.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض من يرفضون الانتظار خلف سيارة تعرقلهم، لا يترددون في تكرار السلوك نفسه عندما يتعلق الأمر بمصلحتهم. هكذا يعيد كل مخالف إنتاج الفوضى التي يشتكي منها.

السير عكس الاتجاه واحتلال الأرصفة.. من يحمي حق الآخرين؟
ولا تنتهي الفوضى عند الوقوف في الوضع الثاني؛ فالسير في الاتجاه المعاكس يحوّل الطريق إلى مواجهة يفرضها سائق مخالف على السيارات القادمة في مسارها الصحيح. يريد اختصار مسافته، فيجبر الآخرين على التوقف أو المناورة لإفساح الطريق له، وكأن احترام القانون أصبح عبئًا يتحمله الملتزم، بينما يطالب المخالف بالأولوية!

وعلى الرصيف، تتكرر الأنانية نفسها. سيارة تحتل المساحة المخصصة للراجلين، فتدفع أمًّا بعربة طفلها، أو مسنًّا، أو شخصًا في وضعية إعاقة، إلى النزول نحو قارعة الطريق. هنا لا يتعلق الأمر بمجرد سوء ركن؛ بل بحرمان الراجل من ممره وتعريضه للاحتكاك بحركة السيارات. فبأي منطق نحمي سيارة فوق الرصيف، ونترك الإنسان يبحث عن مكان آمن وسط الشارع؟

والمخالفة أمام رجل الأمن؟
ويزداد التساؤل إلحاحًا حين تُلاحظ مخالفة واضحة بحضور عناصر أمنية، دون أن يظهر تنبيه أو تدخل لوقف العرقلة. لا يمكن الجزم بأسباب عدم التدخل في كل واقعة، كما لا تتوفر معطيات تثبت وجود تعليمات بالتغاضي عن هذه المخالفات. لكن المشهد يستحق توضيحًا: كيف يُفترض التعامل مع عرقلة آنية للطريق عندما يعاينها عنصر أمن لا ينتمي إلى شرطة المرور؟

من المشروع المطالبة بألا تمر العرقلة الواضحة دون استجابة، سواء بالتنبيه إلى إزالتها، أو بإشعار الجهة المختصة، وفق الصلاحيات والمهام المسندة لكل عنصر. فالمواطن ينتظر معالجة الخطر الذي يراه أمامه، ويصعب إقناعه باستمرار انسداد الطريق إلى حين حضور عنصر مختص، خصوصًا عندما يكون بالإمكان طلب إخلاء المسار فورًا.

كما يستحق توزيع عناصر شرطة المرور بطنجة نقاشًا جديًا: هل الأعداد المنتشرة بالمحاور ونقط الاختناق كافية؟ وهل يواكب انتشارها حجم الضغط المروري؟ لا تتوفر لدينا أرقام رسمية تسمح بالجزم بوجود خصاص، لكن نشر المعطيات المتعلقة بالتغطية الميدانية وتدبير أوقات الذروة سيساعد على تحديد الاحتياجات ومساءلة الحلول.

حين يمر المخالف دون تنبيه، قد يفهم الصمت تساهلًا؛ وحين يتكرر المشهد، يخشى أن يتحول التساهل في ذهنه إلى حق مكتسب. لذلك تبدأ استعادة احترام الطريق باستجابة واضحة للمخالفة، وبإحساس الجميع أن القاعدة تُطبق في كل شارع وعلى كل سائق.

أين يبدأ الحزم الأمني؟
من حق المواطن أن يسأل عن فعالية المراقبة والزجر حين تتكرر العرقلة. والسؤال هنا يتعلق بالنتيجة التي يلمسها مستعمل الطريق: هل المخالفة تُعالج بسرعة؟ هل تتكرر في المواقع نفسها؟ وهل أصبح احترام المسار قاعدة يشعر الجميع بوجوب الالتزام بها؟

لا يمكن انتظار اقتناع كل سائق حتى يستقيم الشارع. وظيفة الزجر أن يجعل مخالفة القاعدة مكلفة، وأن يحمي الملتزمين من تحمل نتائج سلوك غيرهم. وعندما يعتقد المخالف أنه يستطيع تعطيل الطريق ثم المغادرة دون تبعات، يصبح تكرار المخالفة خيارًا سهلًا.

المطلوب مراقبة منتظمة لنقط العرقلة، وتدخل بالوسائل القانونية المناسبة، وتطبيق القواعد على الجميع. كما أن نشر معطيات دورية عن مخالفات الوقوف المعرقل ونتائج معالجتها سيسمح بتقييم المجهود بعيدًا عن الانطباعات.

وفي المقابل، لا يستقيم تحميل الأمن مسؤولية كل تصرف أناني خلف المقود. رجل الشرطة لا يستطيع مرافقة كل سائق، ولا ينبغي أن يحتاج مواطن إلى حضور شرطي حتى يفهم أن سيارته تسد الطريق. المحاسبة تشمل المؤسسة المكلفة بالتدخل، وتشمل أيضًا من يصنع المخالفة بإرادته.

التربية تبدأ من المقعد الأمامي
حين يشاهد طفل والده يترك السيارة في الوضع الثاني لإيصاله إلى باب المدرسة، بينما يعطل الآخرين، فإنه يتلقى درسًا عمليًا في ترتيب الحقوق: راحتنا أولًا، والبقية ينتظرون.

لهذا لا يمكن اختزال التربية الطرقية في تعليم الإشارات. إنها تربية على تقبل المشي بضعة أمتار، واحترام الدور، وعدم تحميل الآخرين كلفة الاستعجال الشخصي. وهي مسؤولية أسر ومدارس ومؤسسات تعليم السياقة وفاعلين مهنيين، كل من موقعه.

كما أن تنظيم محيط المدارس والمحلات، وأماكن التحميل والتفريغ، والتشوير والوقوف، يجب أن يكون جزءًا من المعالجة. فالجماعة وباقي المتدخلين مطالبون بتوفير تنظيم واضح وقابل للتطبيق، ومراجعة النقط التي تنتج العرقلة باستمرار.

أما بعض سائقي الدراجات النارية، فيضيفون إلى هذا المشهد مخاطر المناورات المتهورة وتجاهل الإشارات، وهي سلوكيات تستوجب الحزم والتوعية دون تعميم على مستعملي الدراجات الملتزمين. وقد تحدثت تقارير محلية خلال أكتوبر عن حملات أمنية بطنجة لمراقبة الدراجات المخالفة وحجز بعضها وتحرير محاضر؛ ويبقى المطلوب أن ينعكس هذا العمل على سلامة الطريق بصورة مستمرة.

«نارسا» والجمعيات أمام سؤال الأثر
الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «نارسا» معنية بهذا النقاش من باب الوقاية والتربية والتوعية. فمنصتها الرسمية توضح أن نشر ثقافة السلامة الطرقية وتنظيم برامج التحسيس لفائدة مستعملي الطريق، بشراكة مع المجتمع المدني، يدخل ضمن أدوارها، بما يشمل الأنشطة الميدانية والورشات داخل المؤسسات التعليمية وفضاءات الشباب واللقاءات الموجهة للمهنيين.

وبناء على ذلك، فإن السؤال الموجه إليها وإلى الجمعيات المعنية بالسلامة الطرقية مشروع: ما البرامج التي تستهدف الوقوف في الوضع الثاني؟ وكيف تصل إلى السائق الذي يراه تصرفًا عاديًا؟ وما المؤشرات التي تسمح بمعرفة إن كانت التوعية تغير السلوك فعلًا؟

طنجة تحتاج إلى حملات ميدانية مستمرة تشرح للسائق الأثر الذي يصنعه بسيارته، وإلى شراكات مع المدارس والتجار والمهنيين تجعل احترام المسارات جزءًا من الممارسة اليومية. ومن حق الجمهور الاطلاع على حصيلة هذه البرامج ونتائجها، لأن قيمة التوعية تُقاس بما يتغير في الشارع.

إن اختناق السير يستدعي مساءلة التنظيم والمراقبة والسلوك معًا. فلا يُعفى المسؤول من واجب التدخل بحجة ضعف الوعي، ولا يُعفى السائق من مسؤوليته بحجة قلة المواقف أو غياب الشرطي.

من يترك سيارته في الوضع الثاني لا يركنها فقط؛ إنه يقرر أن ينتظر الآخرون حتى ينتهي هو. والسؤال الذي يواجه طنجة اليوم: إلى متى يظل وقت المدينة رهينة لهذا القرار؟

إعلان

قد يعجبك ايضا