ورقة التحليل… والوصفة أيضًا: لماذا لا نكتبهما بالعربية؟

الدكتور عادل زايدي - طبيب بيولوجي ومدير مختبر زايدي لاب

يدخل المريض مختبرنا، يتسلّم نتيجة تحليله الدموي، ينظر إليها للحظة، ثم يطويها ويضعها في جيبه دون أن يفهم منها كلمة واحدة. ليست المشكلة في الرقم الذي تحمله الورقة، بل في اللغة التي كُتب بها: فرنسية بحتة، بينما صاحب الورقة لا يتحدث في بيته سوى الدارجة، اللهجة العربية التي يتحدث بها أغلب المغاربة في حياتهم اليومية.

والدارجة ليست لهجة دخيلة أو مصطنعة، بل عربية بامتياز، نشأت مع دخول العربية إلى المغرب ومزجت بها الأمازيغية، لغة المنطقة الأصلية، ثم اكتسبت مع الوقت ألفاظًا من الفرنسية والإسبانية في مناطق الحماية السابقة. فهي امتداد حي لذاكرة المغرب وتاريخه، وليست مجرد لهجة شارع كما يصفها البعض أحيانًا.

ومع ذلك، تظل وثائقنا الطبية اليومية، من نتائج التحاليل إلى الوصفات الدوائية، حكرًا على الفرنسية. وهذا ما يطرحه كثيرون اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي بصيغة تساؤل مشروع: لماذا لا تُكتب هذه الوثائق بالعربية أيضًا؟

والأرقام الرسمية تؤكد حجم هذا التحدي. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، تراجع معدل الأمية الوطني من 32.2% سنة 2014 إلى 24.8% سنة 2024، وهو تقدم ملموس، لكنه يعني أن قرابة ربع المغاربة فوق سن العاشرة لا يزالون غير قادرين على قراءة وثيقة مكتوبة. والفجوة أوسع عند النساء، إذ تبلغ الأمية في صفوفهن 32.5%، مقابل 17.3% عند الرجال. وهذا الرقم، 24.8%، هو الحد الأدنى لا أكثر، لأنه يحصي فقط من لا يقرأ ولا يكتب بأي لغة، ولا يشمل فئة أخرى واسعة: من يقرأ العربية جيدًا لكنه لم يتعلم الفرنسية قط. فإذا جمعنا الفئتين، تجاوزت نسبة من لا يستطيعون قراءة وثيقة طبية بالفرنسية ربع المغاربة بوضوح. أي أن ملايين المرضى يتسلّمون اليوم وثيقة طبية بلغة لا يقرؤونها أصلًا، فكيف بلغة أجنبية لا يتقنونها؟

أقول وبصفتي طبيبًا بيولوجيًا أتعامل يوميًا مع عشرات المرضى في مختبري، إن هذا المطلب ليس تعصبًا ضد الفرنسية ولا دعوة لإقصائها، فلها مكانتها في التعليم والإدارة والطب، ولا أحد يطالب بإلغائها. لكن لا مانع يمنع أن تتوفر الوثيقة الطبية باللغتين معًا، العربية والفرنسية، في آن واحد.

والأمر لا يقتصر على نتائج التحاليل. فالوصفة الطبية لا تقل خطورة، وربما تفوقها. وأنا أتحدث هنا من تجربة مباشرة، فقد عملت طبيبًا في أقسام المستعجلات، حيث رأيت بعيني كيف يمكن لعدم قراءة اسم الدواء أو الجرعة أو عدد مرات تناوله أن يتحول إلى خطأ دوائي حقيقي، قد يكلف المريض صحته. والمطلوب هنا ليس أن يفهم المريض آلية عمل الدواء، فذلك دور الطبيب والصيدلي يشرحانه له، بل أن يكون قادرًا، على الأقل، على قراءة اسم دوائه وجرعته بلغته هو، دون أن يعتمد كل مرة على شخص آخر يقرأ له.

والحل اليوم أسهل مما كان عليه قبل سنوات قليلة. فالذكاء الاصطناعي وتقنيات الترجمة الفورية جعلت ترجمة المصطلحات الطبية إلى العربية أمرًا متاحًا وسريعًا وبدقة عالية. لم يعد الأمر يتطلب جهدًا تقنيًا كبيرًا، بل إرادة من الدولة ومن الهيئات الطبية والصيدلانية لاعتماد هذه الخطوة وتحويلها إلى قانون يُلزم بإصدار الوثائق الطبية بالعربية إلى جانب الفرنسية.

وهذا التوجه ليس ابتكارًا مغربيًا، فكل الدول المتقدمة تعتمد لغتها الوطنية في وثائقها الطبية والإدارية، لأن ذلك يُقرّب الخدمة من المواطن ويحترم حقه في فهم ما يخصه. ونحن كأطباء وبيولوجيين سنستفيد من هذا التوجه أيضًا، لأن المريض الذي يفهم تحليله ووصفته يتواصل بشكل أفضل مع طبيبه، ويتابع علاجه بثقة أكبر.

فهل نترك ربع شعبنا يحمل وثيقته الصحية دون أن يفهمها، بينما الحل متاح بين أيدينا منذ اليوم؟

إعلان

قد يعجبك ايضا