«إيصال» بطنجة.. حافلات جديدة بعقلية تدبير قديمة وغضب متصاعد يضع الشركة والجهات الوصية أمام المساءلة
لم تعد الانتقادات الموجهة إلى شركة «إيصال المدينة»، المكلفة بتدبير النقل الحضري بطنجة، مجرد ملاحظات عابرة بشأن تأخر حافلة أو ازدحام أحد الخطوط، بل تحولت إلى سلسلة من الشكاوى والاحتجاجات التي تطرح تساؤلات جدية حول جودة تدبير هذا المرفق الحيوي، ومدى قدرة الشركة على الوفاء بانتظارات الساكنة، خصوصاً بعد الآمال الكبيرة التي رافقت إطلاق خدماتها بأسطول جديد من الحافلات.
فبعد أشهر من انطلاق التجربة، يبدو أن تجديد الحافلات لم يكن كافياً لتجاوز المشاكل المرتبطة بالتنظيم والتوقيت والتواصل مع المرتفقين، بل إن بعض الإجراءات الجديدة، خصوصاً المتعلقة باشتراكات الطلبة والتلاميذ، أفرزت موجة إضافية من الاستياء، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: ما جدوى تحديث وسائل النقل إذا ظلت طرق تدبيرها عاجزة عن مواكبة حاجيات المواطنين؟
ولعل المشاهد المسجلة خلال الأيام الأخيرة أمام شبابيك الاشتراك تقدم صورة واضحة عن حجم الإشكال. ففي سنة 2026، وفي وقت أصبحت فيه الخدمات الرقمية جزءاً أساسياً من تدبير المرافق، ما زال طلبة وتلاميذ بمدينة طنجة يجدون أنفسهم مضطرين إلى الوقوف لساعات طويلة، وفي ظروف غير مريحة، من أجل الحصول على بطاقة اشتراك أو تجديدها.
وتحدثت تقارير صحفية عن ازدحام كبير أمام شبابيك الشركة، فيما أفاد أحد الطلبة بأنه قضى ساعات طويلة في الانتظار، من التاسعة صباحاً إلى الخامسة والنصف مساءً. وهي شهادة، وإن كانت تحتاج إلى توضيح من الشركة بشأن ظروفها، فإنها تعكس حجم الاستياء الذي بات يرافق عملية يفترض أن تكون بسيطة وسريعة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الأمر يتعلق بفئة من المفروض أن تحظى بمعاملة خاصة تراعي التزاماتها الدراسية، لا أن تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما التغيب عن الدراسة من أجل تجديد بطاقة النقل، أو تحمل تكاليف إضافية للتنقل.
فهل يعقل أن يُطلب من طالب جامعي أو تلميذ تخصيص يوم كامل من وقته للحصول على خدمة يؤدي مقابلها؟ وهل يعجز مستغل مرفق للنقل الحضري عن توفير عدد كافٍ من الشبابيك، أو اعتماد نظام للمواعيد والتجديد الإلكتروني، أو على الأقل تنظيم عملية استقبال المرتفقين بطريقة تحفظ كرامتهم ووقتهم؟
ولا تقف الإشكالات عند حدود الشبابيك، إذ أثار النظام الجديد لاشتراكات الطلبة والتلاميذ انتقادات واسعة، بعدما اشتكت فعاليات طلابية من تقييد الاستفادة بعدد محدد من الرحلات اليومية وحصر الاشتراك في خط أو خطين، مقارنة بالمرونة التي كانت توفرها بعض الصيغ السابقة.
كما أثار تأخر تفعيل الاشتراكات المخفضة مع بداية الموسم الدراسي استياء أسر وجمعيات ومنظمات طلابية، في ظل ما يترتب عن ذلك من مصاريف إضافية، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات محدودة الدخل التي يعتمد أبناؤها بشكل يومي على الحافلات للوصول إلى المؤسسات التعليمية.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل جرى إعداد نظام الاشتراكات بناءً على دراسة فعلية لحاجيات الطلبة، أم أن الأولوية منحت لتبسيط التدبير بالنسبة إلى الشركة، ولو على حساب مرونة تنقل المستفيدين؟
إن الطالب الذي يحتاج إلى استعمال أكثر من خط للوصول إلى جامعته أو التنقل بين مؤسساتها لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لقيود إدارية لا تراعي واقع حياته الدراسية، خصوصاً أن النقل العمومي ليس مجرد نشاط تجاري، بل خدمة ذات بعد اجتماعي ترتبط مباشرة بالحق في التعليم وتكافؤ الفرص.
وبعيداً عن أزمة الاشتراكات، تستمر شكاوى عدد من مستعملي الحافلات بشأن اضطراب المواعيد وطول فترات الانتظار والاكتظاظ خلال ساعات الذروة، وهي مشاكل سبق أن رصدتها جريدة «طنجة نيوز» منذ أبريل الماضي، عندما نشرت شهادات لمواطنين تحدثوا عن عدم توقف بعض الحافلات بالمحطات المخصصة، وعن انتظار قد يصل أحياناً إلى ساعة كاملة.
ورغم الإقرار بأن الأسطول الجديد يمثل تحسناً على مستوى التجهيزات والنظافة والراحة، فإن جودة الحافلة وحدها لا تكفي للحكم على نجاح منظومة النقل. فالحافلة الحديثة التي لا تصل في الوقت المناسب، أو التي تعجز عن استيعاب الطلب خلال فترات الذروة، لا تحقق الغاية الأساسية من وجودها.
وتزداد التساؤلات بشأن نجاعة التدبير مع ما سبق أن نشرته تقارير صحفية، نقلاً عن مصادر نقابية، حول مشاكل مرتبطة بأجور السائقين وصعوبات استقطاب الموارد البشرية، بل وتحدث أحد التقارير خلال شهر ماي الماضي عن وجود عشرات الحافلات الجديدة غير المستغلة بسبب الخصاص في السائقين، وهي معطيات تستوجب توضيحاً رسمياً وتحييناً من الشركة، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على انتظام الخدمة.
فإذا كانت المدينة تتوفر على حافلات حديثة، فإن السؤال الذي يهم المواطن ليس عدد المركبات التي جرى اقتناؤها، وإنما عدد الحافلات التي تشتغل فعلياً، ومدى انتظام رحلاتها، وقدرتها على تغطية الأحياء والمناطق التي تعاني ضعف خدمات النقل.
ولا يمكن أيضاً إغفال ظروف الانتظار بالمحطات، حيث تثير شكاوى المرتفقين مسألة غياب التجهيزات الملائمة في عدد من نقاط التوقف، بما يترك المواطنين عرضة لأشعة الشمس والأمطار، في وقت يفترض أن يشمل تحديث النقل الحضري مختلف عناصر الخدمة، من المحطة إلى الحافلة، مروراً بالتذاكر والمعلومات الموجهة إلى الركاب.
لكن المسؤولية عن هذه الوضعية لا ينبغي حصرها في الشركة المستغلة وحدها، إذ تبرز أيضاً مسؤولية الجهات المكلفة بتتبع ومراقبة تدبير المرفق، وفي مقدمتها مؤسسة التعاون بين الجماعات «البوغاز» والهيئات المعنية بالمراقبة، التي يفترض أن تتأكد من احترام الالتزامات التعاقدية ومستويات الجودة المطلوبة.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً توزيع الاختصاصات الإدارية بين مختلف المتدخلين، بقدر ما ينتظر خدمة منتظمة ومحترمة وآمنة. ومن حقه أن يعرف ما إذا كانت الشركة تحترم المؤشرات المحددة في عقد التدبير، وما الإجراءات المتخذة لمعالجة الشكاوى المتكررة، وهل توجد تقييمات دورية معلنة لجودة الخدمة.
كما أن تكرار الانتقادات بشأن الاشتراكات والتوقيت والاكتظاظ يفرض على الشركة الخروج من دائرة الصمت أو الاكتفاء بالتبريرات العامة، وتقديم أجوبة واضحة حول الإجراءات العملية التي تعتزم اعتمادها لتحسين خدماتها، مع تحديد آجال معقولة لمعالجة المشاكل التي تؤثر مباشرة على حياة المرتفقين.
إن مدينة بحجم طنجة، بما تعرفه من توسع عمراني ودينامية اقتصادية وتزايد في حاجيات التنقل، تحتاج إلى منظومة نقل حضري تواكب مكانتها وطموحاتها، وليس مجرد أسطول حديث تصطدم فعاليته بمشاكل التنظيم وضعف التواصل وتعقيد الإجراءات الإدارية.
فالنقل الحضري لا يُقاس بجمالية الحافلات عند تقديمها في الصور الرسمية، وإنما بقدرتها على نقل العامل إلى مقر عمله في الوقت المناسب، وإيصال التلميذ إلى مدرسته دون تأخير، وتمكين الطالب من متابعة دراسته دون أن يضطر إلى التضحية بساعات من يومه للحصول على بطاقة اشتراك.
وأمام تراكم هذه الشكاوى، أصبحت الحاجة ملحة إلى تقييم جدي وشفاف لتجربة «إيصال المدينة» بطنجة، مع الكشف عن مدى احترام التزاماتها التعاقدية، ومراجعة الإجراءات التي أثارت استياء الطلبة والتلاميذ، وإيجاد حلول عملية لمشاكل الانتظار والاكتظاظ والتغطية.
فإذا كانت الشركة قد نجحت في تغيير شكل الحافلات، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو إثبات قدرتها على تغيير جودة الخدمة. أما استمرار المشاكل وتراكم الشكاوى، فيجعلان السؤال مشروعاً: من يحاسب «إيصال» على مستوى الخدمات التي تقدمها لساكنة طنجة، ومن يحمي حق المواطن في نقل عمومي يحترم وقته وكرامته؟

