«دي جي ماها» تدعو مليون متابع إلى تحويل 10 دراهم لجمع مليار سنتيم.. مزحة على إنستغرام أم شكل جديد من التسول الإلكتروني؟
تثير دعوة منسوبة إلى المعروفة على مواقع التواصل الاجتماعي باسم «دي جي ماها»، والتي يتابع حسابها على إنستغرام نحو مليون شخص، تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين المزاح مع المتابعين واستغلال الشهرة الرقمية للحصول على تحويلات مالية، خصوصاً عندما تتحول الدعوة من مجرد كلمات منشورة إلى أموال تُحوّل فعلياً إلى حساب بنكي شخصي.
وبحسب المعطيات التي توصلت إليها جريدة «طنجة نيوز»، فقد دعت المعنية بالأمر متابعيها إلى تحويل مبلغ 10 دراهم لكل شخص، بهدف جمع مليار سنتيم، أي ما يعادل 10 ملايين درهم، مع نشر بيانات حسابها البنكي لتلقي التحويلات.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الدعوة، إذ نشرت المعنية بالأمر، بعد ساعات، صورة لشاشة هاتفها تظهر توصلها بإشعارات تحويلات بنكية، قبل أن تعود في منشور مؤقت آخر لتوضح أنها كانت تمزح مع متابعيها، غير أن بعضهم تعامل مع دعوتها بجدية وبادر بالفعل إلى إرسال الأموال.
والمثير في الأمر أن «دي جي ماها» لم تكتفِ بتوضيح أنها كانت تمزح مع متابعيها، بل أعلنت أنها ستتصدق بالمبالغ التي توصلت بها لفائدة شخص محتاج، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية إضافية بشأن طبيعة هذه العملية، بعدما تحولت من دعوة لتحويل أموال إلى حسابها الشخصي إلى إعلان عن تخصيصها لغرض خيري. فهل نحن أمام عملية جمع تبرعات من العموم خارج الإطار القانوني المنظم لهذه العمليات، خصوصاً أن المعنية بالأمر سبق أن أثير اسمها في ملف يتعلق بجمع التبرعات دون ترخيص؟
هذه الواقعة، التي تستدعي التحقق من طبيعة التحويلات وحجم المبالغ المتوصل بها، تفتح نقاشاً أوسع حول ظاهرة طلب الأموال عبر المنصات الاجتماعية، ومدى إمكانية توظيف الشعبية الرقمية في جمع مبالغ مالية من الجمهور، دون وجود مشروع معلن أو غرض خيري محدد منذ البداية أو إطار قانوني واضح.
ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن الجدل الذي رافق اسم «دي جي ماها» خلال الأشهر الماضية، بعدما ارتبط اسمها بعدد من الملفات التي حظيت باهتمام إعلامي بمدينة طنجة.
ففي فبراير 2026، سبق لجريدة «طنجة نيوز» أن نشرت خبراً بشأن إغلاق السلطات المحلية محلاً تجارياً كانت تستغله المعنية بالأمر لجمع تبرعات مالية وعينية لفائدة المتضررين من فيضانات القصر الكبير، بسبب غياب الترخيص القانوني، مع الإشارة إلى استمرارها في استقبال المساعدات رغم قرار الإغلاق.
وفي يوليوز من السنة نفسها، أفادت تقارير إعلامية بمتابعتها في حالة سراح في ملف يتعلق بجمع تبرعات خارج الضوابط القانونية، مع تحديد جلسة لمحاكمتها. غير أن المصادر التي جرى الاطلاع عليها لا تؤكد صدور حكم نهائي في هذا الملف.
كما عاد اسمها إلى الواجهة خلال الشهر ذاته، إثر واقعة شهدتها منطقة كسباراطا بطنجة، بعدما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق خلافاً بينها وبين شخص آخر، تخلله اصطدام بسيارته. وأفادت تقارير صحفية بتوقيفها ووضعها تحت تدبير الحراسة النظرية للاشتباه في تورطها في اعتداء، فيما قدمت المعنية بالأمر روايتها الخاصة بشأن ملابسات الخلاف. ولا تعني هذه الإجراءات ثبوت المسؤولية الجنائية في غياب حكم قضائي نهائي.
مليون متابع.. وعشرة دراهم فقط!
تكمن خطورة الأسلوب المثير للجدل في بساطة الفكرة نفسها؛ فالمبلغ المطلوب من كل متابع لا يتجاوز عشرة دراهم، وهو مبلغ قد يعتبره كثيرون زهيداً، لكن جمعه من مليون شخص كفيل بتوفير عشرة ملايين درهم، أي مليار سنتيم.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن اعتبار طلب مبالغ صغيرة من جمهور واسع مجرد مزحة عابرة، خصوصاً عندما يُرفق الطلب بحساب بنكي حقيقي، ويتبعه وصول تحويلات مالية؟
والأهم من ذلك، هل يكفي أن يعلن صاحب الدعوة لاحقاً أنه كان يمزح، ثم يقرر تخصيص الأموال المتوصل بها لعمل خيري، حتى تنتفي التساؤلات المتعلقة بطبيعة تلك الأموال والغرض من جمعها ومصيرها؟
وبحسب البحث الذي أجرته «طنجة نيوز»، فإن أساليب طلب تحويلات مالية صغيرة من أعداد كبيرة من مستخدمي الإنترنت ليست جديدة من حيث الفكرة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تشكل في جميع الحالات تسولاً أو احتيالاً. فالتكييف القانوني يتوقف على طبيعة الدعوة والوسائل المستعملة والوقائع المثبتة.
ماذا يقول القانون المغربي؟
ينظم القانون رقم 18.18 عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، ويحدد شروط توجيه الدعوات إلى التبرع والجهات المخول لها القيام بذلك، مع إخضاع العمليات المعنية لضوابط الترخيص والمراقبة والشفافية. وقد تعزز تطبيق هذا القانون بصدور المرسوم رقم 2.25.152 سنة 2025.
غير أن تنزيل هذه المقتضيات على الواقعة الحالية يستدعي التمييز بين جمع التبرعات لأغراض خيرية، الذي ينظمه القانون المذكور، وبين طلب تحويلات مالية لفائدة شخصية، الذي لا يخضع بالضرورة للتكييف القانوني نفسه.
وفي حالة «دي جي ماها»، يبرز عنصر إضافي يتمثل في إعلانها، بعد تلقي التحويلات، أنها ستخصص الأموال المتوصل بها للتصدق على شخص محتاج. وهو ما يطرح إشكالاً بشأن مدى إمكانية اعتبار العملية جمعاً للتبرعات من العموم، رغم أن الغرض الخيري لم يكن معلناً عند توجيه الدعوة الأولى. ويبقى تحديد ما إذا كانت هذه الممارسة تدخل ضمن نطاق القانون رقم 18.18 من اختصاص الجهات المختصة، بناءً على طبيعة العملية وظروفها الفعلية.
ومن جهة أخرى، ينص الفصل 326 من القانون الجنائي المغربي على معاقبة من اعتاد ممارسة التسول، رغم توفره على وسائل العيش أو قدرته على الحصول عليها بوسيلة مشروعة، بالحبس من شهر إلى ستة أشهر. لكن تطبيق هذا الفصل على دعوة منشورة عبر إنستغرام يستلزم إثبات العناصر القانونية للجريمة، بما فيها الاعتياد، ولا يمكن استخلاصه تلقائياً من منشور واحد.
أما الفصل 540 من القانون الجنائي، فيتعلق بجريمة النصب، ويشترط استعمال وسائل احتيالية توقع الضحية في الغلط وتدفعها إلى تصرف يمس مصالحها المالية بقصد تحقيق منفعة. وعليه، فإن مجرد تلقي تحويلات طوعية لا يكفي وحده للحديث عن جريمة نصب دون إثبات وسائل الاحتيال وبقية أركان الجريمة.
واللافت أن ظاهرة التسول الإلكتروني سبق أن وصلت إلى المؤسسة التشريعية، حيث وُجه سؤال شفوي إلى الحكومة سنة 2023 بشأن انتشار طلب الأموال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما قد يرتبط ببعض هذه الممارسات من نصب واحتيال واستغلال لتعاطف المواطنين.
هل تتحول الشهرة الرقمية إلى وسيلة لجمع الأموال؟
تفتح واقعة «دي جي ماها» نقاشاً يتجاوز شخص المؤثرة نفسها، ليمس مسؤولية صناع المحتوى الذين يمتلكون قواعد جماهيرية واسعة، ومدى إدراكهم لتأثير دعواتهم على المتابعين.
فحين يطلب شخص يتابعه مليون مستخدم تحويل عشرة دراهم، فإن الأمر يختلف من حيث الأثر المحتمل عن طلب مماثل يصدر عن شخص عادي. ذلك أن قوة الانتشار والثقة التي قد يمنحها الجمهور للمؤثر يمكن أن تحوّل دعوة بسيطة إلى عملية مالية واسعة النطاق.
وفي هذه الحالة، تبقى أسئلة أساسية دون جواب: كم بلغ مجموع الأموال التي توصلت بها المعنية بالأمر فعلياً؟ وهل ستخصص جميع المبالغ المحولة للعمل الخيري الذي أعلنت عنه؟ وهل كانت الدعوة منذ البداية مجرد مزحة، أم أنها تحولت إلى ذلك الوصف بعد تسجيل التحويلات؟
كما يطرح إعلانها التصدق بالأموال سؤالاً آخر يتعلق بكيفية التصرف في مبالغ حولها المتابعون إلى حسابها الشخصي، ومدى وجود ما يثبت تسليمها فعلياً إلى المستفيد الذي تحدثت عنه.
وهي أسئلة لا يمكن الحسم فيها بالاعتماد على صور إشعارات بنكية منشورة في القصص المؤقتة، دون الاطلاع على المعطيات المالية الكاملة أو الحصول على توضيحات من المعنية بالأمر.
مزحة أم تسول إلكتروني؟
لا يتعلق الأمر بإدانة مسبقة أو مصادرة حق أي شخص في تلقي هدايا أو مساعدات مالية طوعية، وإنما بطرح تساؤلات مشروعة حول الحدود القانونية والأخلاقية لاستعمال التأثير الرقمي في طلب الأموال من الجمهور.
فإذا كان جمع مبالغ مالية صغيرة من أعداد كبيرة من المتابعين يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق ثروة في وقت قصير، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الواقعة هو ما إذا كانت التشريعات وآليات المراقبة الحالية قادرة على مواكبة مثل هذه الممارسات والتمييز بين الهدايا الطوعية والتسول والاحتيال وجمع التبرعات الخاضع للترخيص.
وبين رواية «المزاح» التي قدمتها المؤثرة، والتحويلات التي أعلنت توصلها بها، ثم قرارها المعلن بالتصدق بالأموال المحصلة، تبقى الحاجة قائمة إلى توضيح طبيعة العملية ومصير الأموال، بعيداً عن إصدار أحكام مسبقة.
فهل نحن أمام مزحة خرجت عن السيطرة، أم أمام أسلوب جديد لاستثمار الشهرة الرقمية في جمع الأموال؟ وهل يمكن أن يتحول طلب تحويلات مالية شخصية إلى عملية ذات طابع خيري بمجرد الإعلان لاحقاً عن التصدق بحصيلتها؟ أسئلة تطرحها الواقعة، ويظل الجواب عنها رهيناً بمعطيات موثقة وتحديد طبيعة التصرف من الناحية القانونية.

