الأستاذ عثمان الوكيلي ينال الدكتوراه بميزة مشرف جداً في أطروحة حول العدالة التصالحية الجنائية بطنجة
شهدت رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، يوم السبت، مناقشة أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها الأستاذ الباحث عثمان الوكيلي، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تحت عنوان “العدالة التصالحية الجنائية”، وذلك بحضور وازن لعدد من المسؤولين القضائيين من مختلف محاكم المملكة، ونخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والمتخصصين في مجالي القانون والقضاء، إلى جانب أفراد أسرة الباحث وأصدقائه وزملائه.
وتندرج هذه الأطروحة ضمن الأبحاث القانونية الحديثة التي تسعى إلى مساءلة النظام الجنائي المغربي نظرياً وعملياً، من خلال اعتماد المنهج الوصفي والتحليلي والمقارن، بعيداً عن الانحصار في القراءة التقليدية للنصوص الجنائية. وقد سعت الدراسة إلى تقديم إسهام علمي وعملي في تأصيل مفهوم العدالة التصالحية كنظام بديل، مع بحث سبل تنزيله على المستوى الإجرائي بما يضمن نجاعته ويحافظ على الضمانات القانونية الأساسية.

وركز الباحث على التحولات التي يعرفها النظام الجنائي المعاصر بالمغرب، مستنداً إلى مؤشرات مرتبطة بأزمة العدالة التقليدية، من بينها ارتفاع عدد القضايا الرائجة أمام النيابات العامة، وتزايد العبء القضائي، والضغط الذي تعرفه المؤسسات السجنية، اعتماداً على معطيات وإحصائيات صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وانطلاقاً من هذه المؤشرات، دعا إلى تعزيز آليات العدالة التصالحية باعتبارها توجهاً حديثاً يهدف إلى تحقيق التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحماية حقوق الأفراد، عبر احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
كما توقفت الأطروحة عند إمكانية إرساء تحول نوعي في السياسة الجنائية من منطق الزجر والعقاب إلى مقاربات أكثر فعالية، من بينها نظام الاعتراف المسبق بالذنب، مع التأكيد على ضرورة ضبط نطاق تطبيق العدالة التصالحية وتحديد حدود التدخل التشريعي المرتقب، حتى لا يتحول التوسع في الصلح إلى مساس بمقتضيات الحماية القانونية التي يقوم عليها هذا النظام.

وفي هذا السياق، اقترح الباحث اعتماد العدالة التصالحية في بعض الجنح البسيطة، وفق ضوابط قانونية وقضائية صارمة وواضحة، بما يتيح تسريع البت في القضايا، وترشيد الموارد القضائية، وتوجيه جهود القضاة نحو الجرائم الكبرى والمعقدة.
واعتبر الأستاذ عثمان الوكيلي أن المصالحة الجمركية تشكل أحد أنجح النماذج التطبيقية للعدالة التصالحية داخل المنظومة القانونية المغربية، بالنظر إلى فعاليتها في إنهاء النزاعات خارج أسوار المحاكم، وضمان التحصيل السريع لحقوق خزينة الدولة، مع المساهمة في تخفيف العبء عن المؤسسات القضائية.

وترأست لجنة المناقشة الأستاذة رجاء مكاوي الناجي، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق أكدال بالرباط وسفيرة المملكة المغربية لدى الفاتيكان، فيما ضمت اللجنة في عضويتها كلاً من الأستاذ مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ السياسة الجنائية، والأستاذ أحمد أجعون، والأستاذ بلال المويني، والأستاذة صفاء لزاري بصفتها مشرفة على الأطروحة، والأستاذ محمد التليدي، والأستاذة هند الوهابي، والأستاذ عبد الكريم المصباحي.
وخلال جلسة المناقشة، قدم الباحث عرضاً مفصلاً لأبرز الإشكالات القانونية والعملية المرتبطة بالعدالة التصالحية الجنائية، مبرزاً دورها في تطوير السياسة الجنائية الحديثة، والحد من الآثار السلبية للنزاعات الجنائية من خلال مقاربات تقوم على جبر الضرر، وإعادة الإدماج، وتحقيق السلم الاجتماعي.

كما تناولت الدراسة عدداً من التجارب المقارنة في مجال العدالة التصالحية، وبحثت إمكانية الاستفادة منها في تطوير المنظومة الجنائية المغربية، في ظل الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية التي تعرفها المملكة، والرهان المتواصل على تحديث منظومة العدالة وتعزيز نجاعتها.
وأشادت لجنة المناقشة بأهمية الموضوع وحداثته، وبالمجهود العلمي والمنهجي الذي بذله الباحث في إعداد هذه الأطروحة، والتي تميزت بغنى مراجعها وتنوع مقارباتها القانونية والفقهية والقضائية، فضلاً عن معالجتها لإشكالية ذات راهنية كبيرة على المستويين الوطني والدولي.
وشهدت المناقشة أيضاً تقديم ملاحظات علمية هدفت إلى إغناء البحث وتطويره، حيث دعت الأستاذة المشرفة صفاء لزاري إلى التفكير في تفعيل العدالة التصالحية في بعض القضايا المرتبطة بالتغرير بالقاصر، وفق ضوابط فقهية وقضائية دقيقة تراعي حماية الأسرة والقاصر وتحفظ السلم الاجتماعي، بعيداً عن أي تصور للإفلات من العقاب.
من جانبها، استحضرت الأستاذة رجاء مكاوي الناجي غنى المؤسسات التقليدية المغربية في مجال الصلح، مستذكرة الأدوار التي كان يضطلع بها الفقهاء والأعيان وشرفاء الزوايا في تسوية النزاعات بين الناس، معتبرة أن المجتمع المغربي في حاجة إلى إعادة تثمين هذه القيم الأخلاقية المرتبطة بحسن الجوار والعفو والصلح، وجعلها جزءاً من مشروع العدالة التصالحية باعتباره ورشاً قانونياً ومجتمعياً متكاملاً.

وفي ختام هذا النقاش العلمي، قررت لجنة المناقشة منح الأستاذ الباحث عثمان الوكيلي شهادة الدكتوراه في القانون الخاص بميزة “مشرف جداً”، مع التوصية بنشر الأطروحة، بالنظر إلى ما تحمله من قيمة علمية وأكاديمية متميزة في مجال العدالة الجنائية التصالحية.
ويُعد الأستاذ عثمان الوكيلي، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، من الكفاءات القضائية البارزة بالمملكة، إذ راكم تجربة مهنية مهمة داخل جهاز العدالة، شغل خلالها عدة مناصب قضائية، من بينها نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالخميسات، ونائب وكيل الملك بمركز القاضي المقيم بتيفلت، ونائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، قبل أن يتولى مهمة وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتارجيست، مواصلاً بذلك الجمع بين الممارسة القضائية والبحث الأكاديمي الرصين في خدمة تطوير العدالة وتعزيز حماية الحقوق والحريات.


