حوادث السير بطنجة.. نزيف يومي يفضح ضعف الردع وغياب الوعي وصمت “نارسا”

ما الذي تقوم به الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا” أمام تصاعد الحوادث الخطيرة؟

لم تعد حوادث السير بمدينة طنجة مجرد وقائع متفرقة أو حوادث عرضية تقع بين الفينة والأخرى، بل تحولت إلى نزيف يومي خطير، بل إلى مشهد متكرر يكاد يتجدد كل ساعة، في مختلف شوارع المدينة ومحاورها الكبرى. فكل يوم، بل كل وقت تقريبا، تستفيق الساكنة على خبر حادثة جديدة، بعضها ينتهي بمأساة حقيقية، بين قتلى ومصابين إصابات بليغة، وآخرين يواجهون عاهات مستديمة قد تلازمهم مدى الحياة.

وأصبح صوت سيارات الإسعاف، وهي تشق شوارع طنجة في سباق مع الزمن، جزءا من المشهد اليومي المقلق، في صورة تختزل حجم الكارثة التي تعيشها المدينة على مستوى السلامة الطرقية. ويكفي ما يشهده قسم المستعجلات بالمستشفى الجهوي محمد الخامس من ضغط متواصل واستقبال شبه دائم لضحايا حوادث السير، من أجل إدراك خطورة الوضع، في وقت يتم فيه تحويل عدد من الحالات الخطيرة إلى المستشفى الجامعي، بسبب خطورة الإصابات وحاجتها إلى تدخلات مستعجلة ودقيقة.

هذا الواقع لم يعد يسمح بلغة المجاملة أو التبرير، بل يفرض تسمية الأمور بمسمياتها، وتحميل المسؤولية لكل طرف من موقعه. فالسائق المتهور الذي يقود بسرعة جنونية، أو يتجاوز في الممنوع، أو لا يحترم الضوء الأحمر، أو يستعمل الهاتف أثناء السياقة، يتحمل مسؤوليته كاملة. ومستعملو الدراجات النارية الذين يقود بعضهم بطيش واستهتار، دون احترام لأبسط قواعد السلامة، يتحملون بدورهم جانبا كبيرا من هذه الفوضى. كما أن الراجلين أيضا مطالبون باحترام قانون السير وعدم المجازفة بحياتهم في نقط عبور عشوائية أو سلوكات غير محسوبة.

لكن المسؤولية لا تقف عند الأفراد فقط، بل تمتد أيضا إلى الجهات المكلفة بالمراقبة والزجر والردع. فلا يمكن مواجهة هذا الوضع الخطير دون حضور ميداني قوي، ومراقبة صارمة، وتفعيل فعلي للقانون في حق كل من يستهتر بأرواح الناس. فالردع ليس خيارا، بل ضرورة، والعقوبة يجب أن تكون حاضرة بصرامة في مواجهة المخالفات القاتلة، لأن التهاون مع السياقة المتهورة لا ينتج سوى المزيد من الدماء والمآسي.

وفي المقابل، فإن المعركة ضد حوادث السير لا تُختزل فقط في المخالفات والغرامات، بل تحتاج أيضا إلى عمل عميق ومتواصل في مجال التحسيس والتوعية والتعليم. فترسيخ الثقافة الطرقية يجب أن يبدأ من المدرسة، وأن يمتد إلى الإعلام، والمجتمع المدني، ومؤسسات التكوين، والفضاءات العمومية، لأن احترام قانون السير ليس مجرد التزام قانوني، بل سلوك حضاري يعكس مستوى الوعي والمسؤولية داخل المجتمع.

وفي خضم هذا الوضع المقلق، يبرز سؤال مشروع وملح: أين هي الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا” مما يجري في طنجة؟ وأين حضورها التوعوي والميداني والترافعي أمام هذا الارتفاع المهول في عدد الحوادث؟ فإذا كانت المدينة تعيش هذا النزيف بشكل شبه متواصل، فإن الغياب الواضح لدور “نارسا” يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة أن المرحلة تقتضي مبادرات ميدانية قوية، وحملات تحسيسية حقيقية، وبرامج واضحة تستهدف الفئات الأكثر عرضة للتسبب في الحوادث أو السقوط ضحايا لها.

إن طنجة اليوم ليست في حاجة إلى شعارات موسمية أو حملات مناسباتية عابرة، بل إلى استراتيجية حقيقية يلتقي فيها الردع مع التربية، والمراقبة مع التحسيس، والقانون مع التوعية. لأن ما يقع في الشوارع لم يعد مجرد اختلال عابر، بل أزمة حقيقية تتطلب تعبئة جماعية ومسؤولية مشتركة، حتى لا تظل الطرقات فضاء مفتوحا للموت والإصابات والإعاقات.

لقد صار من الضروري أن يتحمل كل طرف مسؤوليته كاملة، من السائق إلى الراجل، ومن الأسرة إلى المدرسة، ومن أجهزة المراقبة إلى المؤسسات المعنية بالسلامة الطرقية، وفي مقدمتها “نارسا”، لأن استمرار هذا الوضع بهذا الشكل يعني ببساطة أن الأرواح ما تزال تُستنزف، وأن ناقوس الخطر ما يزال يُقرع كل ساعة في مدينة لم تعد تحتمل مزيدا من المآسي.

إعلان

قد يعجبك ايضا