اليسار: من تيارات ثورية إلى معارضات ناعمة (عبد المطلب الغلبزوري)
عبد المطلب الغلبزوري باحث في تدبير الرأسمال اللامادي من خلال الجماعات المحلية، وموضوع المتحف والمتحفية. ومهتم بالتنمية المستدامة والشأن السياسي المحلي و الوطني.
كان للثورة الفرنسية، والتي اندلعت سنة 1789 لتستمر إلى حوالي 1799، أثر كبير في التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي عرفتها فرنسا والدول الغربية، حيث انتقلت فرنسا من الملكية المطلقة إلى الجمهورية الديموقراطية الراديكالية، كما تم إلغاء الامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية، أيضا أصبحت الكنيسة الكاثوليكية بلا نفوذ ديني. ففي خضم هذه التغيرات والتحولات الكبرى، نشأ تيار سيستمر إلى يومنا هذا، وسيؤثر في جل بلدان العالم، اصطلح عليه التيار اليساري.
فماهي المحطات الكبرى التي مر بها اليسار العالمي؟
وكيف تبنى العالم العربي والمغرب الفكر اليساري؟ وما هي أبرز الأحداث التي عرفها؟
نشأة اليسار
مما لا شك فيه أن تراكم الأحداث، من ظلم اجتماعي، ومشاركة فرنسا في حرب الاستقلال الأمريكية، والاستياء العام الذي أصاب الشعب الفرنسي بسبب التفاوتات الاقتصادية، كل هذه الأحداث، لا شك أنها ساهت بشكل مباشر في ظهور تيار من المصلحين الثوريين، مطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة. هذا التيار كان يتخذ مقاعد جهة اليسار في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان الفرنسي) بينما يتخذ أنصار النظام الملكي جهة اليمين. ومن هنا تمت تسميتهم باليسار، كاستعارة سياسية.
تطور التيار اليساري ليتخذ أبعادا تنظيمية أكثر تعقيدا وتنظيرا، فظهرت الماركسية، وهي من تأسيس كارل ماركس وفريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر. تعد الماركسية نظرية اجتماعية، اقتصادية، وسياسية،تقوم على التفسير المادي للتاريخ، والصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا. وقد دعت الأفكار الماركسية إلى الثورة الاشتراكية ضد البرجوازية.
وكاستمرار للأفكار الاشتراكية، ومع بداية القرن العشرين، اندلعت الثورة البلشفية سنة 1917، بزعامة فلاديمير لينين، وكان أول من أسس الدولة الاشتراكية في روسيا، وقد لعب دورا أساسيا في انتشار الشيوعية عبر أنحاء المعمورة.
الشيوعية إيديولوجية سياسية واقتصادية مثلها مثل الاشتراكية، لكنها تختلف معها في مسألة الملكية الخاصة. فالشيوعية تهدف لمجتمع بلا طبقات ولا ملكية خاصة، حيث تملك الدولة كل شيء وتوزعه حسب الحاجة، إلا أن الاشتراكية تسمح ببعض الملكيات الخاصة، وتوزع الثروة اعتمادا على المساهمة والمجهود.
ومع بداية أحداث الحرب العالمية الأولى، بدأ التيار الشيوعي اليساري ينسلخ من الماركسية الكلاسيكية، حيث تبنى نزعة قتالية منتقدا الممارسات البرلمانية، فأصبح تبارا يساريا مستقلا.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 اتخذ اليسار شعارات سلطت الضوء على الحقوق المدنية، والحركات النسوية، والبيئية، والحريات الجنسية، فسمي باليسار الجديد، وكان ظهوره بين الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وقد شارك في الحكومات والمعارضات.
بدأت تنحصر الأدوار الطلائعية للتيارات اليسارية عبر العالم فتحولت معظم الأنظمة اليسارية إلى منظمات حقوقية ومنظمات غير حكومية مفسحةالمجال لتيارات سياسية مناهضة للإمبريالية. وذلك مباشرة بعد انهيار المعسكر الشرقي.
اليسار العربي: النشأة وأهم التحولات
عرفت معظم الدول العربية ظهور التيارات اليسارية مع بداية القرن العشرين، وكان من أبرز الأسباب لولادة هذه الحركات اليسارية هو مناهضة الاستعمار، والاضطهاد، والتبعية. فنشأت حركات قومية عربية في هذا السياق، وتبنت الفكر اليساري، وكانت تطالب بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية. وقد استمرت هذه الحركات القومية اليسارية في نشاطها، وهذه المرة من أجل مقاومة الاستعمار الغربي.
مرت الحركات اليسارية العربية بمحطات عديدة أبرزها، الازدهار والهيمنة لليسار التقليدي في بعض الشعوب، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، وانقسام العالم إلى معسكرين شرقي وغربي. فقد تميز اليسار التقليدي في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، بقواعد جماهيرية واسعة في كل من مصر، لبنان، سوريا، والعراق، حيث تبنت أفكارا قومية ماركسية اشتراكية.
ومع نهاية الستينات وبداية العقد السابع من القرن العشرين، ظهرت حركات يسارية أكثر راديكالية، متأثرة بالماوية (ماو تسي تونغ) والتروتسكية (ليون تروتسكي). وقد نشطت في كل من المغرب، وفلسطين، ولبنان على شكل منظمات: كمنظمة إلى الأمام، ومنظمة 23 مارس، وعرفت باليسار الجديد.
كامتداد لتأثر العالم العربي بالتيارات اليسارية، ظهرت أنظمة حكم ذات مرجعة يسارية في كل من مصر (الضباط الأحرار)، وسوريا(البعثيون)، في حين تبنت كل من اليمن الجنوبي، والجزائر، والعراق سياسات حكومية اشتراكية.
مع نهاية الثمانينات من القرن العشرين وبالضبط في التاسع من نوفمبر 1989 تاريخ سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، بدأ نفوذالتيارات اليسارية ينحصر عبر العالم، وتتقلص أدوارها الطلائعية. وقد تركت المجال والفرصة لصعود الحركات الإسلامية السياسية، هاته الأخيرة تعتبر مناهضة أيضا للإمبريالية. وفي ظل هذا المناخ المناهض للتيارات اليسارية السياسية والاقتصادية، اتجهت معظم النخب اليسارية إلى منظمات حقوقية ومنظمات غير حكومية.
أهم محطات اليسار في المغرب.
لم يكن سبب ظهور اليسار في المغرب استثناء، بل مثله مثل باقي الدول العربية، حيث كان مقرونا بمطالب شعبية بالاستقلال من الحماية الفرنسية والإسبانية. وقد تأسس اليسار المغربي بناء على ركائز ماركسية ونقابية، فقد كان عبدالله إبراهيم، أحد مؤسسي نقابة الإتحاد المغربي للشغل، مقتنعا بأن الطبقة العاملة يجب أن تكون في طليعة الحركة من أجل الاستقلال.
كباقي التيارات اليسارية في العالم عرف اليسار المغربي عدةانشقاقات وتقلبات، سواء على المستوى التنظيمي أو الإيديولوجي. ويمكن تلخيص هذه التقلبات في ثلاث محطات:
مرحلة الاختيار الثوري.
هي مرحلة ولد فيها التيار اليساري من رحم الحركة الوطنية والحركة السياسية، وقد تميزت بنزعة ثورية بقيادة المهدي بنبركة. نشأت هذه الحركة في الثلاثينات من القرن العشرين لمناهضة الحماية الفرنسية والإسبانية، وتميزت بإصدار وثيقة الاستقلال واندلاع المقاومة المسلحة سنة 1953. ففي سنة 1956 حصل المغرب على استقلاله، وفي إطار دينامية بناء الدولة المغربية المعاصرة، انشق عن حزب الاستقلال تيار يساري راديكالي سنة 1959، وأسس الإتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة كل من: المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد البصري وفاطمة عزايز.
مرحلة الصراع السياسي (سنوات الرصاص).
تميزت هذه المرحلة (الستينات والسبعينات من القرن العشرين) بالصراع بين النظام واليسار الراديكالي، والذي تبنته كل من منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس. شهدت هذه المرحلة اغتيالات كثيرة واعتقالات في صفوف هذا التيار.
بداية التحولات والانشقاقات.
في سنة 1975 تحول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في حين استمر حزب التقدم والاشتراكية كفاعل سياسيا ذو مواقف مرنة، والذي كانت مرجعيته سابقا شيوعية. وفي سنة 1991 تأسس حزب الطليعة بعد انشقاق اعضاءه من حزب الاتحاد الاشتراكي.
وستزداد حدة الانشقاقات مع دخول حزب الاتحاد الاشتراكي بزعامة عبد الرحمان اليوسفي لحكومة التناوب التوافقي وذلك سنة 1998 مما أضعف الرصيد النضالي للحزب وأنهى عقودا من النضال والمعارضة.
ومع أزمة التشتت والضعف التي عرفها اليسار المغربي، تم تأسيس سنة 2014 فدرالية اليسار الديموقراطي وذلك في محاولة لإعادة مكانةاليسار التاريخية. وتشكلت هذه الفيدرالية من ثلاث مكونات:
حاليا أصبح اليسار يتشكل من مكونين اثنين:
كان لانهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين أثر كبير في تراجع الأدوار الطلائعية للتيارات اليسارية عبر العالم، وفي محاولة منها الأخذ بزمام الأمور، تصادمت هياكلها لتزيد من حدة التراجعات في الأدوار السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويبدو الأفق بعيدا جدا لنهضة يسار جديد بأدوار تقليدية في ظل مناخ عالمي يعرف أحادية قطبية قوية رغم نهضة الصين الاقتصادية.

