ما السر وراء رفض عدد من صيدليات طنجة توفير أجهزة الأداء الإلكتروني؟
في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار رقمنة الإدارة، وتشجع المواطنين والتجار على تقليص التعامل بالنقد واعتماد وسائل الأداء الحديثة، لا تزال صيدليات عديدة بمدينة طنجة ترفض الأداء بالبطاقة البنكية، ما يضع المرضى أمام وضع غير مفهوم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باقتناء أدوية مستعجلة أو مرتفعة الثمن.
ويتفاجأ عدد من المواطنين، عند تقديم بطاقاتهم البنكية، بجواب يكاد يتكرر داخل بعض الصيدليات: «جهاز TPE عاطل»، فيما تخبرهم صيدليات أخرى بأن الجهاز غير متوفر من الأساس. وهي مبررات تدفع إلى التساؤل عما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بأعطال تقنية متكررة، أم بغياب رغبة حقيقية في اعتماد الأداء الإلكتروني.
فالمواطن الذي يتوجه إلى الصيدلية لاقتناء دواء لا يكون دائماً مستعداً للبحث عن شباك بنكي أو حمل مبالغ نقدية كبيرة. وقد يجد نفسه مضطراً إلى ترك الدواء والبحث عن أقرب وكالة بنكية، فقط لأن الصيدلية لا تقبل البطاقة، رغم أن جهاز الأداء الإلكتروني أصبح متوفراً في مطاعم ومقاهٍ ومتاجر تقدم خدمات أقل حساسية من الدواء.
ويزداد هذا الوضع غرابة في مدينة سياحية مثل طنجة، التي تستقبل أعداداً كبيرة من السياح والمغاربة المقيمين بالخارج، والذين يعتمد كثير منهم على البطاقات البنكية في معاملاتهم اليومية. فكيف يُعقل أن يتمكن المواطن من أداء ثمن وجبة أو قطعة ملابس إلكترونياً، بينما يعجز عن أداء ثمن دواء قد تكون حاجته إليه مستعجلة؟
وأمام استمرار هذا الرفض، يبرز سؤال مشروع: ما السر وراء إحجام عدد من الصيدليات عن اعتماد أجهزة TPE، أو ادعاء تعطلها بصورة متكررة؟ هل يتعلق الأمر فقط بعمولات الأداء والكلفة البنكية، أم أن بعض المهنيين لا يرغبون في أن تمر معاملاتهم عبر قنوات قابلة للتتبع والمراقبة؟
فالأداء الإلكتروني يترك أثراً مالياً واضحاً، ويسهّل تسجيل المعاملات ومقارنتها بالمداخيل المصرح بها. ومن هنا يصبح من حق الرأي العام طرح السؤال بشأن أسباب تفضيل التعامل النقدي، دون أن يعني ذلك توجيه اتهام جماعي إلى الصيادلة أو الجزم بوجود تهرب ضريبي من دون تحقيق وأدلة.
إن كانت الأعطال التقنية أو العمولات البنكية هي السبب، فعلى الجهات المختصة التدخل لتوفير حلول مناسبة للصيدليات وضمان استمرار الخدمة. أما إذا كان رفض الأداء الإلكتروني مرتبطاً بالخوف من شفافية المعاملات وكشف رقم المعاملات الحقيقي، فإن الأمر يستدعي تشديد المراقبة وربط المداخيل المصرح بها بحجم النشاط التجاري الفعلي.
صحيح أن القانون المغربي لا يفرض، إلى حدود اليوم، على جميع الصيدليات توفير جهاز TPE، لكن خصوصية مهنتها تجعل توفير وسيلة للأداء الإلكتروني ضرورة خدمية وأخلاقية، وليس مجرد امتياز إضافي. فالصيدلية ترتبط بصحة المواطنين، ولا يجوز أن يتحول غياب السيولة النقدية إلى عائق أمام حصول مريض على دوائه.
وأمام تسارع رقمنة الخدمات العمومية والمالية، بات من الضروري أن تتدخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وبنك المغرب وإدارة الضرائب، إلى جانب الهيئات المهنية للصيادلة، لوضع إطار يلزم الصيدليات، خصوصاً صيدليات الحراسة، بتوفير وسيلة أداء إلكترونية واحدة على الأقل، مع ضمان صيانة الأجهزة وعدم تحويل عبارة «TPE عاطل» إلى مبرر دائم لفرض الأداء نقداً.
فلا معنى لدعوة المواطن إلى التخلي عن النقد، بينما تظل قطاعات حيوية ترفض منحه البديل. كما أن الشفافية لا ينبغي أن تثير خوف أي مهني يحترم التزاماته ويصرح بمداخيله الحقيقية.


