بعد “مجموعة الخير” و”هبة الإرث”.. شبهات مخطط هرمي جديد تستهدف سكان طنجة تحت غطاء “بزنس أنترنت”
طنجة على موعد مع “نصب رقمي” جديد؟ دعوات مشبوهة تحت غطاء “بزنس أنترنت”
عادت مؤشرات النصب المالي لتطل من جديد بمدينة طنجة، وهذه المرة عبر إعلانات تروج لما يسمى بـ”بزنس أنترنت”، وتدعو المواطنين إلى حضور تجمع مرتقب بعد زوال يوم غد الأحد بـ”تكنوبارك طنجة”، في مشهد يعيد إلى الأذهان أساليب الاستدراج نفسها التي رافقت ملفات أثارت جدلاً واسعاً، من بينها “مجموعة الخير” و”هبة الإرث”.
ووفق المعطيات التي توصلت بها طنجة نيوز بعد تتبع مضمون الإعلانات والبحث في طبيعة النشاط المعلن، فإن الأمر يتعلق، على ما يبدو، بمحاولة تقديم نموذج ربحي غامض في قالب “مشروع رقمي” و”فرصة استثمارية”، بينما تكشف تفاصيله عن مؤشرات قوية على مخطط هرمي يقوم أساساً على استقطاب أشخاص جدد مقابل وعود بأرباح سريعة.
وبحسب المعطيات المتداولة في هذا الملف، فإن الشخص الراغب في الانخراط يُطلب منه دفع مبلغ أولي في حدود 25 دولاراً، مع الترويج لإمكانية تحقيق 175 دولاراً أو أكثر، شريطة جلب 10 أشخاص آخرين للتسجيل. وهذا المعطى وحده يثير شبهة كبيرة، لأن الربح هنا لا يبدو مرتبطاً بخدمة حقيقية أو منتوج واضح، بقدر ما يرتبط بتوسيع دائرة المنخرطين واستقدام ضحايا جدد.
وخلال البحث في طبيعة الشركة أو الجهة التي يجري الترويج لها، تبين أن النشاط المعلن يتحدث عن التسويق الشبكي بجميع أشكاله، وكراء شاشات الهواتف المحمولة، وإرسال الرسائل الإشهارية مع الأداء الإلكتروني، وهي أوصاف فضفاضة لا تقدم تفسيراً دقيقاً لكيفية توليد الأرباح الموعودة، ولا تشرح بشكل شفاف الأساس الاقتصادي الحقيقي الذي يضمن استدامة هذا النموذج.
كما وقفت طنجة نيوز على مضامين منشورة في الموقع التابع للجهة المروَّج لها، تتحدث عن وجود شركة وتطبيق، وتزعم أن المستخدم يمكنه “تأجير شاشة هاتفه” للشركة وتحويلها إلى مساحة إعلانية، مقابل “تقاسم 85 في المائة من العائدات” مع المنخرطين. وتقول المعطيات نفسها إن الاشتراك الأولي يتم عبر مبلغ بسيط، قبل الانتقال إلى اشتراك سنوي أكبر داخل ما تصفه الشركة بـ”نظام عالمي لتقاسم الأرباح” و”ماتريكس عالمية مفروضة”.
غير أن هذا الخطاب، رغم كثرة مصطلحاته التقنية والتسويقية، يظل غارقاً في الغموض. فلا توجد معطيات واضحة حول هوية المعلنين الحقيقيين الذين سيمولون هذه العائدات، ولا حول حجم السوق الإشهارية التي تسمح بتوزيع هذه الأرباح المعلن عنها، ولا حول الضمانات القانونية والمالية التي تحمي المنخرطين. والأخطر من ذلك، أن جوهر الفكرة كما يتم الترويج لها لا يقوم على بيع خدمة ذات قيمة حقيقية، بل على إدخال أشخاص جدد إلى المنظومة، وهو ما يعد أحد أبرز خصائص الأنظمة الهرمية التي تنهار عادة بمجرد توقف تدفق المنخرطين الجدد.
وفي جانب آخر من الحملة الترويجية، جرى الاستعانة بسيدة معروفة على منصة إنستغرام ومثيرة للجدل بسبب عدد من المشاكل السابقة، من أجل التسويق للحدث المنتظر بطنجة. غير أن التسجيلات الترويجية التي تم تداولها لم تقدم أي شرح دقيق لطبيعة المشروع أو طريقة الاشتغال أو مصدر الأرباح، واكتفت بعبارات عامة من قبيل “بزنس أنترنت” ووعود بتحقيق أرباح قد تصل إلى 80 في المائة، في أسلوب دعائي يراهن على الإبهار والغموض أكثر مما يقدم معطيات مقنعة للرأي العام.
ويرى متتبعون أن هذه الطريقة في التسويق ليست بريئة، بل تستهدف أساساً استدراج الباحثين عن الربح السريع، خصوصاً في ظل الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي تدفع كثيرين إلى التعلق بأي فرصة تبدو مغرية. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن هذا النوع من المشاريع ينتهي غالباً بخسائر للمنخرطين الصغار، بينما يستفيد منه فقط من التحقوا مبكراً أو من يقفون في قمة الهرم.
وتحذر المعطيات المتوفرة من الانسياق وراء مثل هذه الدعوات دون التحقق من الإطار القانوني والمالي والتنظيمي للجهة الداعية، خاصة عندما يكون الربح الموعود مشروطاً بجلب مزيد من الأشخاص، وعندما تغيب الشفافية حول طبيعة النشاط الحقيقي، والمقر الفعلي، والاعتمادات القانونية، والوثائق المحاسباتية، وهوية المسؤولين المباشرين عن المشروع.
إن ما يجري الترويج له اليوم في طنجة تحت عنوان “بزنس أنترنت” لا يبدو، وفق المؤشرات المتوفرة، مجرد فرصة استثمارية عادية، بل يحمل سمات مقلقة لمخطط يقوم على الإغراء المالي والغموض واستغلال الثقة، وهي العناصر نفسها التي طبعت قضايا نصب سابقة ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة المغاربة.
وفي انتظار اتضاح الصورة بشكل كامل، يبقى واجب الحذر قائماً، كما تبقى مسؤولية التوعية أكبر من أي وقت مضى، حتى لا تتحول المدينة إلى مسرح جديد لسقوط ضحايا آخرين في فخ وعود الربح السهل.

