طرقات المغرب تنزف… وNARSA مطالبة بالخروج من صمت المكاتب إلى صرامة الميدان
نزيف يومي لم يعد يحتمل التبرير
لم يعد ما يجري في الطرق المغربية مجرد اختلال عابر يمكن تبريره بعبارات فضفاضة عن “التهور” و”عدم احترام القانون”، بل أصبح نزيفا يوميا مفتوحا، تحصد فيه الأرواح بشكل متكرر، وسط مشاهد عبث صارت مألوفة إلى حد مخيف. الطرقات المغرب تنزف فعلاً بسبب هذه الحوادث المتكررة. قتلى وجرحى بالعشرات، دراجات نارية تجوب الشوارع بلا ضوابط، سياقة استعراضية في واضحة النهار، تجاوزات خطيرة أمام أعين الجميع، وفوضى مرورية لا تحتاج إلى تقارير لإثباتها، لأنها ببساطة معروضة كل يوم في الشوارع والأحياء والمدارات والمحاور الرئيسية. إن عبارة “طرقات المغرب تنزف” أصبحت عنوانا مؤلما لكل يوم جديد.
سؤال مباشر: أين أثر NARSA في الشارع؟
في خضم هذا الواقع، يبرز سؤال لا ينبغي الالتفاف عليه: أين هي الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية NARSA؟ وأين أثرها في الشارع؟ لأن وجود مؤسسة تحمل اسم السلامة الطرقية لا يكفي وحده لطمأنة الناس، ما دام المواطن لا يرى في المقابل أمنا طرقيا حقيقيا، ولا يشعر بأن الطريق أصبحت أكثر انضباطا، ولا يلمس أن هناك قبضة ردعية توازي حجم الفوضى القائمة. من الواضح أن طرقات المغرب تنزف كل يوم نتيجة غياب إجراءات فعالة.
المغاربة لا يريدون شعارات بل قانونا يُطبق
لقد صار من الواضح أن الخطاب الرسمي حول السلامة الطرقية لم يعد مقنعا بالقدر الكافي. فالمغاربة لا يريدون مزيدا من الشعارات، ولا حملات مناسباتية، ولا بلاغات باردة تصدر بعد كل ارتفاع في عدد القتلى. ما يريده الناس بسيط وواضح: قانون يُطبق، مراقبة تُفعل، مخالفات تُزجر، ومتهورون يُمنعون من تحويل الطريق إلى حلبة استعراض أو مشروع قتل مؤجل.
الدراجات النارية… عنوان بارز للفوضى
الواقع اليوم يفرض قول الحقيقة كما هي: هناك تراخٍ واضح في مواجهة كثير من مظاهر الفوضى، خاصة ما يتعلق بالدراجات النارية التي تحولت في عدد من المدن إلى مصدر دائم للخطر والضجيج والتهور. دراجات بلا لوحات أحيانا، أو بقيادة قاصرين، أو بتعديلات غير قانونية، أو تسير في الاتجاه الممنوع، أو على الأرصفة، أو في وضعيات استعراضية لا علاقة لها بالسياقة المسؤولة. والأخطر من ذلك أن هذه السلوكات تتكرر بشكل شبه يومي، ما يعطي انطباعا خطيرا بأن الردع ليس في مستوى التهديد. وللأسف، طرقات المغرب تنزف باستمرار بسبب هذه التجاوزات.
ما جدوى الاستراتيجيات إذا استمرت الأرواح في السقوط؟
وهنا بالضبط يطرح جوهر الإشكال: ما فائدة مؤسسة معنية بالسلامة الطرقية إذا كانت الطرق لا تزال بهذا القدر من الانفلات؟ وما قيمة الاستراتيجيات إذا كانت الأرواح تستمر في السقوط؟ وما معنى التوعية إذا كانت الفوضى تفرض نفسها بالقوة، بينما القانون يتراجع في كثير من المشاهد إلى الخلف؟
السلامة الطرقية لا تُقاس بالبلاغات
ليس مقبولا أن يبقى دور NARSA محصورا في الجانب النظري أو الإداري أو التواصلي، بينما الشارع يطالب بالحزم. وليس مقبولا أيضا أن تستمر المؤسسة في تقديم نفسها كفاعل أساسي في هذا الورش، دون أن يواكب ذلك أثر ميداني واضح يشعر به المواطن في حياته اليومية. لأن السلامة الطرقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد اللافتات الإشهارية، ولا بعدد الأيام التحسيسية، بل تُقاس بشيء واحد لا غير: هل انخفضت الفوضى؟ هل تراجعت الحوادث؟ هل أُنقذت الأرواح؟
التشخيص معروف… لكن الفعل الصارم غائب
المشكلة اليوم ليست في غياب التشخيص، فكل شيء معروف. السلوكيات الخطيرة معروفة، النقاط السوداء معروفة، أسباب عدد كبير من الحوادث معروفة، والفئات الأكثر استهتارا بالقانون معروفة أيضا. لكن ما ينقص هو الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل الصارم. لأن استمرار هذا الوضع يعني، ببساطة، أن هناك خللا في ترتيب الأولويات، وأن أرواح الناس لا تُواجَه بما يكفي من الجدية المطلوبة. وفي النهاية، طرقات المغرب تنزف والضحايا في تزايد مستمر.
NARSA مطالبة بالمصارحة والاستنفار
NARSA مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تخرج من منطق التدبير الإداري البارد إلى منطق الاستنفار الوطني الحقيقي. مطالبة بأن تقول بوضوح ما الذي قامت به، وما الذي فشلت فيه، وما الذي تقترحه بشكل عاجل لوقف هذا النزيف. ومطالبة أيضا بأن تضغط، بكل ما لها من اختصاص ومشروعية، من أجل تشديد المراقبة، وتفعيل الردع، وفرض احترام القانون في الميدان، لا في الأوراق فقط.
تقاسم المسؤولية لا يعني تمييعها
أما الاكتفاء بتقاسم المسؤولية بين المتدخلين، فلن يكون سوى صيغة أخرى للهروب من جوهر السؤال. صحيح أن السلامة الطرقية مسؤولية جماعية، لكن هذا لا يلغي أن NARSA توجد في قلب هذا الملف، وأن عليها واجبا مضاعفا في المبادرة والضغط والتقييم والمصارحة. فحين تكون الطرق بهذا القدر من الخطورة، يصبح الصمت أو الحضور الخافت نوعا من القصور غير المقبول.
الطرق تحتاج إلى هيبة قانون لا إلى خطاب مطمئن
إن ما تحتاجه طرقات المغرب اليوم ليس خطابا مطمئنا، بل قرارا حازما. تحتاج إلى هيبة قانون حقيقية، وإلى رسائل واضحة تقول لكل مستهتر إن الطريق ليست فضاء للفوضى، وإن حياة المواطنين ليست لعبة. تحتاج إلى حضور ميداني دائم، وإلى زجر لا يتردد، وإلى سياسة لا تساوم حين يتعلق الأمر بالأرواح.
أسئلة الشارع أصبحت أثقل من البلاغات
لقد تعب المغاربة من مشاهد الحوادث، ومن أخبار القتلى، ومن الفيديوهات التي توثق الاستعراض والتهور والجنون المروري. وتعبوا أكثر من انتظار نتائج لا تظهر، رغم تعدد المؤسسات والخطط والخطب. لذلك، فإن اللحظة الراهنة تفرض طرح السؤال بصيغة مباشرة وصريحة: إذا كانت الطرق تزداد خطورة، والحوادث تتفاقم، والدراجات النارية الخارجة عن القانون تملأ الشوارع، فماذا تفعل NARSA بالضبط؟ ومتى يتحول دورها من حضور إداري إلى قوة فعلية توقف هذا العبث؟
خاتمة: الأرواح ليست تفصيلا ثانويا
لأن الأمر لم يعد يحتمل المجاملة. الطريق في المغرب تنزف، والأرواح تُزهق، والصبر المجتمعي بدأ ينفد. وأي تأخر في الانتقال إلى الحزم الحقيقي لن يعني سوى شيء واحد: مزيدا من الضحايا، ومزيدا من الغضب، ومزيدا من الأسئلة الثقيلة التي لن تنفع معها البلاغات المتأخرة. في النهاية، طرقات المغرب تنزف وتتطلب تحركاً عاجلاً.

