لا شكايات ولا وقائع ثابتة.. هلع “اختطاف الأطفال” بطنجة تصنعه تجمعات الأمهات أمام المدارس
تحولت أبواب عدد من المؤسسات التعليمية بمدينة طنجة، في الآونة الأخيرة، من فضاءات مخصصة لولوج التلاميذ ومغادرتهم في ظروف عادية ومنظمة، إلى نقط تجمع يومية تستهلك فيها الساعات في الأحاديث الجانبية والقيل والقال وتبادل الروايات غير الدقيقة، في مشهد بات يفرز بشكل متكرر موجات من الإشاعات والتهويل، كان آخرها ما يروج بخصوص “اختطاف الأطفال”، رغم غياب أي شكايات رسمية أو وقائع ثابتة تؤكد ذلك.
فالواقع، حسب المعطيات المتوفرة، واضح ولا يحتمل كل هذا النفخ والتهويل: لا وجود إلى حدود الساعة لملفات موثقة أو شكايات رسمية تؤكد ما يتم تداوله من روايات عن “اختطافات” قرب المدارس بطنجة. ومع ذلك، تصر بعض الألسن على تحويل كل حركة عابرة، وكل شخص يثير الشبهة، وكل صراخ مفاجئ لطفل، إلى “محاولة اختطاف” جاهزة للترويج، قبل أن تجد طريقها بسرعة إلى مجموعات الواتساب وصفحات التواصل الاجتماعي، فتنتشر كما تنتشر النار في الهشيم.
والمقلق في الأمر أن جزءا مهما من هذا الهلع لا تصنعه وقائع حقيقية، بل تصنعه تجمعات بعض الأمهات أمام أبواب المدارس، حيث يتحول الانتظار الطويل، في كثير من الحالات، إلى مساحة خصبة لتناقل أحاديث تافهة، وتضخيم أحداث عادية، ونسج روايات خيالية لا تستند إلى أي تحقق أو مسؤولية. فبدل أن يكون محيط المدرسة فضاء للانضباط والهدوء، صار في بعض المواقع مرتعا للفوضى الكلامية التي تنتهي غالبا بإنتاج إشاعة جديدة تزرع الخوف في نفوس الأسر وتربك الرأي العام المحلي.
ولا أحد يجادل في حق الأمهات والآباء في الحرص على أبنائهم ومواكبتهم إلى المؤسسة التعليمية، لكن ما لا يمكن تبريره هو تحويل أبواب المدارس إلى أماكن للتجمهر لساعات طويلة بلا موجب، وكأنها فضاءات مفتوحة للنميمة اليومية وتبادل الأخبار غير الموثوقة. من أوصلت ابنها أو ابنتها إلى المدرسة، يفترض أن تغادر المكان وتترك المؤسسة تؤدي وظيفتها في محيط هادئ ومنظم، لا أن تبقى في الباب لساعات، تراقب المارة، وتفسر الوقائع على هواها، وتغذي جوا من الشك والريبة لا يخدم لا المدرسة ولا الأسر ولا التلاميذ.
لقد صار واضحا أن هذا السلوك لا يساهم في حماية الأطفال كما يعتقد البعض، بل ينتج أثرا عكسيا خطيرا، لأنه يحول الخوف الطبيعي على الأبناء إلى فوضى جماعية، ويجعل من أي شخص غريب “متهما” محتملا، ومن أي حادث عابر “جريمة” مفترضة، ومن أي تصرف غير مفهوم “محاولة اختطاف” جاهزة للاستهلاك الشعبي. وهنا مكمن الخطر الحقيقي: حين تصبح الإشاعة أقوى من الحقيقة، ويصبح الانفعال بديلا عن التثبت، ويصبح الحديث عند باب المدرسة أخطر من الواقعة نفسها.
إن استمرار هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى الوعي بخطورة ما يتم تداوله، لأن نشر أخبار زائفة لا يمر دون أثر، بل يخلق مناخا من الرعب المجاني، ويؤثر على نفسية الأطفال والأسر، ويسيء إلى الإحساس العام بالأمن، كما يفتح الباب أمام الفوضى وسوء الفهم والتشهير بأشخاص قد لا علاقة لهم بأي فعل إجرامي. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على من يصور أو ينشر أو يسجل، بل تبدأ أحيانا من تلك الحلقة الصغيرة التي تتشكل عند باب المدرسة، حيث تولد الإشاعة الأولى قبل أن يتم تعميمها على نطاق واسع.
وفي مقابل هذا العبث، تؤكد المعطيات المتوفرة أن الجهات المختصة تتعامل بجدية مع كل ما يتم ترويجه من أخبار زائفة بشأن “اختطاف الأطفال”، خاصة عندما تكون تلك الأخبار مجرد اختلاق أو تحريف لوقائع مختلفة، بما من شأنه إثارة الهلع والمس بالإحساس بالأمن لدى المواطنين. كما أن المساطر القانونية ماضية في مواجهة كل من يثبت تورطه في نشر أو ترويج معطيات مغلوطة ومجانبة للحقيقة.
إن طنجة اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الضجيج المفتعل أمام المدارس، ولا إلى تجمعات يومية تعيد إنتاج الخوف والإشاعة، بل في حاجة إلى سلوك مسؤول يضع مصلحة التلاميذ فوق كل اعتبار. أبواب المدارس ليست مجالس يومية مفتوحة، وليست فضاءات للقيل والقال، وليست منصات لصناعة الأخبار الزائفة. هي ممرات للتربية والتعلم، ويجب أن تبقى كذلك.
أما الأطفال، فلا تحميهم الإشاعة، ولا يخدمهم التهويل، ولا تؤمنهم الأحاديث المرتجلة عند الأبواب. الذي يحميهم فعلا هو اليقظة المسؤولة، والتبليغ الجدي عند وجود أي خطر حقيقي، والاحتكام إلى المؤسسات بدل الانجرار وراء روايات الشارع. وكل ما عدا ذلك، ليس سوى فوضى كلامية تصنع هلعا مجانيا، وتسيء إلى المدينة أكثر مما تحمي أبناءها.

