المصحات الخاصة بطنجة.. حين يتحول المريض إلى “فاتورة” والأثمنة إلى مستوى “دولي”
في طنجة، لم يعد الغضب من بعض المصحات الخاصة مجرد انطباع عابر أو تذمر محدود، بل أصبح حديث عدد متزايد من المواطنين الذين يشعرون بأن همّ بعض هذه المؤسسات لم يعد هو صحة المريض بقدر ما صار البحث عن أكبر قدر ممكن من الأرباح، ولو على حساب القدرة الشرائية للأسر المنهكة أصلًا بكلفة العلاج والدواء.
كثيرون يتحدثون اليوم عن واقع صادم: مواطن يلج إلى مصحة خاصة وهو يشتكي من عارض صحي بسيط أو من حالة لا تبدو، في ظاهرها، مقلقة إلى ذلك الحد، فيجد نفسه فجأة داخل مسار طويل من الفحوصات والتحاليل والتنقل بين الأقسام، من الكشف الأول إلى المختبر، ومن المختبر إلى الفحص بالأشعة، ومنه إلى “السكانير” أو فحوصات إضافية أخرى، حتى قبل أن يفهم أصلًا لماذا طُلب منه كل ذلك، وما إذا كانت حالته تستدعي فعلًا هذا الكم من الإجراءات.
الانطباع الذي ترسخ لدى عدد من المرتفقين هو أن بعض الأطباء داخل بعض المصحات لا يكتفون بتقييم الحالة الصحية وفق الحاجة الطبية الصرفة، بل يبدون وكأنهم يوجهون المريض في جولة داخل مختلف أقسام المصحة، جولة تنتهي دائمًا عند الخلاصة نفسها: فاتورة ثقيلة. وحين تتكرر هذه الشكاوى بالمنطق نفسه، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: هل الدافع الحقيقي هو الحرص على صحة المريض، أم تعظيم رقم المعاملات ورفع قيمة ما ستؤديه الأسرة في النهاية؟
المشكل ليس في وجود التحاليل أو التجهيزات المتطورة أو أجهزة الفحص الحديثة، فهذا أمر مطلوب ومحمود، بل في الشبهة التي أصبحت ترافق طريقة استعمالها في بعض الحالات، حين يشعر المواطن بأن توفر المصحة على كل أنواع الفحوصات والآليات صار مدخلًا لتوسيع قائمة ما يُطلب منه، لا بحسب الضرورة الطبية دائمًا، بل بحسب ما يمكن أن يضيفه ذلك إلى الفاتورة النهائية. وهنا يتحول وجود التجهيز من وسيلة للعلاج إلى أداة للاستنزاف، ويتحول المريض من إنسان يبحث عن الطمأنينة إلى زبون يُراد منه أن يمر على أكبر عدد ممكن من المصالح.
الأخطر من ذلك أن المواطن يوجد أصلًا في وضع هش: مريض، خائف، مرتبك، ومستعد لفعل أي شيء حين يسمع كلمات من قبيل “الاحتياط” و”يجب التأكد” و”الأفضل القيام بفحوصات إضافية”. وفي هذا المناخ، لا يملك كثيرون لا الجرأة ولا القدرة على الاعتراض، لأنهم يضعون ثقتهم في الطبيب، لكنهم يصطدمون في النهاية بفاتورة صادمة تجعلهم يتساءلون: هل كان كل هذا ضروريًا فعلًا، أم أن الخوف على الصحة اختلط، أو ربما غُلب، بمنطق الربح؟
الأثمان، من جهتها، تزيد الصورة قتامة. فبعض المصحات الخاصة بطنجة تتصرف وكأنها تقدم خدمات في مستوى أكبر العواصم الصحية في العالم، بينما يشعر كثير من المرتفقين أن جودة الاستقبال، ووضوح التواصل، ومرافقة المرضى، والسرعة في التدخل، والبعد الإنساني في التعامل، لا تعكس دائمًا ذلك المستوى الذي توحي به الأسعار. باختصار: تسعيرة دولية، لكن الخدمة في بعض الحالات لا تقنع حتى بالحد الأدنى من الانتظارات.
لا أحد يعارض حق المصحات الخاصة في الربح، فهذا قطاع استثماري في نهاية المطاف، لكن الربح شيء، وتحويل المرض إلى فرصة مفتوحة لرفع الفاتورة شيء آخر. وحين يسود لدى الناس هذا الإحساس الثقيل بأن بعض المؤسسات صارت ترى في كل مريض مشروع دخل، فإن الأمر لا يعود مجرد ملاحظة معزولة، بل يصبح ناقوس خطر حقيقي بشأن أخلاقيات الممارسة وحدود الجشع داخل قطاع يفترض أن تحكمه المسؤولية قبل الحسابات.
طنجة اليوم لا تحتاج فقط إلى مصحات بواجهات أنيقة وأسماء لامعة، بل إلى مؤسسات صحية تحترم ذكاء المواطن، وتشرح له بوضوح ما يحتاجه فعلًا وما لا يحتاجه، وتتعامل مع آلامه بضمير مهني لا بعقلية تجارية جافة. لأن أخطر ما يمكن أن يقع في المجال الصحي هو أن يفقد المواطن ثقته، وأن يشعر بأن دخوله إلى بعض المصحات لا يعني بالضرورة بداية العلاج، بل بداية رحلة استنزاف لا يعرف كيف تنتهي.
إن النقاش حول بعض المصحات الخاصة بطنجة لم يعد يحتمل المجاملة. المطلوب اليوم رقابة أكثر صرامة، وشفافية أكبر في وصف الفحوصات، وتوضيح حقيقي للفواتير، وحماية أقوى للمريض من أي مبالغة أو تضخيم لا تبرره الحاجة الطبية. فالصحة ليست سوقًا مفتوحة لكل أشكال المبالغة، والمريض ليس رقمًا في دفتر المداخيل، وكرامة المواطن لا ينبغي أن تُقاس بعدد التحاليل التي يمكن إضافتها إلى فاتورته.

