رمضان.. إقبال متزايد على الأغذية الخالية من الغلوتين والمضافات والسكر المكرر

إعداد: سارة رحال و.م.ع

تعكس حركة الاستهلاك على مستوى الأسواق الممتازة، ومحلات المواد الغذائية المتخصصة، ومحلات القرب، إقبالا متزايدا على المنتجات الغذائية الخالية، أساسا، من الغلوتين والسكر المكرر والمضافات.

ويبدو هذا التوجه، الذي لوحظ منذ عدة سنوات، آخذا في الترسخ خلال شهر رمضان الفضيل، مدفوعا ببحث متزايد عن التوازن الغذائي والراحة في عملية الهضم وعن بدائل يعتبر أنها صحية أكثر لوجبتي الإفطار والسحور.

وبالفعل، فقد أصبح العديد من المستهلكين يولون اهتماما أكثر فأكثر لمكونات المنتجات الغذائية التي يقتنونها، مفضلين الخيارات التي ينظر إليها على أنها طبيعية أكثر أو تتلاءم بشكل أفضل ومتطلبات الصيام.

وينعكس هذا التطور بشكل واضح على طرق صناعة الحلويات على سبيل المثال. ففي أحد محلات الحلويات بمدينة القنيطرة، تصطف أكياس دقيق اللوز والأرز جنبا إلى جنب مع أكياس دقيق القمح، في حين يفسح السكر الأبيض المجال أحيانا للعسل الحر أو مربى التمر، تماما مثلما يتم توظيف الشوكولاتة الداكنة الخالية من السكر المضاف في بعض التحضيرات.

ويؤكد صاحب المحل هذا التوجه دون أن يصفه بالتغيير الجذري، موضحا أن “الأمر لا يتعلق بثورة، إذ تظل الوصفات التقليدية هي الأكثر طلبا. ومع ذلك، يطلب عدد متزايد من الزبائن كل سنة وصفات أخف”.

وأشار إلى أن الهدف لا يكمن إطلاقا في تغيير الأطباق التي تميز الشهر الفضيل، مضيفا أن “الشباكية التقليدية تبقى حاضرة بقوة، فهي جزء لا يتجزأ من رمضان. لكننا نقترح أيضا وصفة تعتمد على دقيق اللوز، وتم تحليتها فقط بالعسل. وبالنسبة لمنتوج “سلو”، أعددنا وصفة خالية من السكر المكرر وغنية بالبذور مع تحميص أخف للحفاظ على النكهات. فالمستهلكون يميلون إلى التلذذ دون الشعور بالتخمة”.

على أن تكييف الوصفات التقليدية المتوارثة يتطلب عملا دقيقا، يضيف صاحب المحل، معتبرا أن “الاستغناء عن السكر الأبيض أو الدقيق العادي يغير بالكامل قوام المنتجات وتوازنها على مستوى الأذواق، بل وعلى طريقة حفظها”. ويضيف “لقد اضطررنا للقيام بتجارب عديدة قبل الوصول إلى نتيجة مرضية، إذ إن الزبائن متطلبون، وإذا لم يكن المذاق مضمونا، فإن الإقبال لن يكون كبيرا”.

وأوضح أن هذا البحث عن التوازن يوجد، أيضا، في الأطباق المالحة، حيث يتم تحضير بعض أنواع “البريوات” لوجبة الإفطار بطهيها في الفرن بدلا من قليها، بينما تعوض “الأوراق المصنوعة بالأرز تلك المصنوعة بالقمح من أجل تلبية حاجيات من يتفادون استهلاك مادة “الغلوتين”، مضيفا “نحاول تقليل المواد الدهنية قدر الإمكان، دون المس بجوهر الوصفات”.

من جهتهم، يفضل المستهلكون الذي يقبلون على هذا النوع من المنتوجات، في المقام الأول، لكونها تفضي إلى نوع من الراحة خلال فترة الصيام. وفي هذا الصدد، قالت إحدى الزبونات “خلال شهر رمضان، تتغير عاداتنا الغذائية تماما. فعندما يكون الإفطار دسما جدا، نشعر بآثاره طوال الليل وفي اليوم الموالي”، مضيفة أن “الوجبات الأخف تمكننا من الحفاظ على طاقتنا دون الشعور بالتخمة”.

وتظل الأطباق التقليدية أساسية في المائدة الأسرية. ف”الحريرة”، و”الشباكية”، و”سلو” لا تزال حاضرة بقوة، لكن بعض الأسر تعدل كميات استهلاكها، وتفضل استهلاك السكريات الطبيعية، مع اختيار طرق طهي صحية أكثر. إنها تغييرات طفيفة، لكنها تكشف عن الاهتمام المتزايد الذي يتم إيلاؤه لطبيعة التغذية.

وتتعدد أسباب هذا التحول من بينها تزايد الوعي بأنواع الحساسيات تجاه بعض الأطعمة، والمخاوف المتعلقة بالإصابة بداء السكري، وارتفاع الكوليسترول، ومشاكل الجهاز الهضمي، وكذا السعي إلى بلوغ مستوى من “الخفة” خلال فترة تتطلب بذل جهد بدني.

على أن هذا التحول ينطوي أيضا على أثر مالي كذلك. فالدقيق البديل وبعض المكونات المحددة التي يتم استيرادها أحيانا، يكون أغلى ثمنا. وقد أكد صاحب محل الحلويات بالقنيطرة هذا المعطى بالقول إن “المواد الخام الخالية من الغلوتين والمنتوجات الطبيعية هي أغلى سعرا، هذه هي الحقيقة. نحن نحاول خفض الأسعار، لكن هذه المنتوجات لا تزال حكرا على فئة معينة، والزبائن الذين يختارونها يدركون ذلك تماما”.

هذا التوجه نحو استهلاك المنتجات الغذائية الخالية من الغلوتين والمضافات والسكر المكرر، يوازيه أيضا تغير في عادات الشراء، إذ بات المستهلكون يولون اهتماما متزايدا لملصقات المنتجات للاطلاع على طبيعة مكوناتها، كما يفضلون بشكل متزايد الأغذية المنتجة بطريقة تقليدية باعتبار أنها أقل تصنيعا.

وإذن، لا يتعلق الأمر بمجرد موضة عابرة أو رفض للتقاليد الغذائية، بل هو بالأحرى تعديل تدريجي يهدف إلى التوفيق بين الإقبال على النكهات الموروثة من الطفولة والوعي المتزايد بأهمية الصحة والتوازن الغذائيين.

وإذا كان شهر رمضان يظل كالعادة شهرا للتقاسم والكرم والتآزر الاجتماعي، فإن بعض الموائد تشهد خلاله إعادة لتصور مفهوم الوفرة، وهو تصور يجمع بين الحفاظ على نكهات الماضي، وتبني نهج أكثر وعيا بأهمية الجانب الصحي.

إعلان

إعلان

قد يعجبك ايضا