مدار تريال أطلس بطنجة يتحول إلى نقطة سوداء للتسول واستغلال الأطفال.. من يضع حداً لهذه الفوضى؟

لم يعد المشهد اليومي بمدار تريال أطلس بمدينة طنجة مجرد حالات تسول عابرة تستدر عطف المارة، بل تحول إلى وضع مقلق يثير تساؤلات جدية بشأن احتمال استغلال الأطفال في جمع الأموال، وسط مطالب بتدخل عاجل من السلطات المختصة لوضع حد لهذه الظاهرة التي باتت تهدد سلامة القاصرين ومستعملي الطريق على حد سواء.

فالمدار، الذي يُعد من المحاور الطرقية الحيوية بمدينة طنجة، أصبح محط انتقادات بسبب تكرار مشاهد التسول، خصوصاً في ظل وجود أطفال صغار في ظروف تثير القلق، وتطرح علامات استفهام حول الجهات التي تستفيد من استمرار هذه الممارسات، ومدى وجود أشخاص يستغلون هشاشة الأطفال وعطف المواطنين لتحقيق مكاسب مالية.

والأخطر من ذلك، ما كشفته تقارير إعلامية حديثة عن وضعية طفل صغير يُترك ممدداً على قارعة الطريق بالمدار المذكور، بينما تمارس امرأة التسول بالقرب منه، في ظروف قد تعرض حياته للخطر، خصوصاً مع كثافة حركة السير وانخفاض درجات الحرارة. وهي معطيات تستوجب التحقق الميداني العاجل، بدل انتظار وقوع مأساة قد يدفع ثمنها طفل لا حول له ولا قوة.

إن ما يجري بمدار تريال أطلس لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد إزعاج للسائقين أو تشويه للمشهد الحضري، بل باعتباره قضية تتعلق أساساً بحماية الطفولة، وباحتمال وجود ممارسات استغلال تستدعي البحث والتحري.

فهل يتعلق الأمر بحالات فقر وهشاشة اجتماعية تستوجب المواكبة والمساعدة؟ أم أن بعض الأطفال تحولوا إلى وسيلة لجمع الأموال لفائدة أشخاص آخرين؟ وهل توجد جهات تنظم وجود المتسولين وتستفيد من المبالغ التي يحصلون عليها يومياً؟ ومن المسؤول عن التأكد من هوية الأطفال الموجودين بهذه النقطة، وصلتهم بالأشخاص الذين يصطحبونهم؟

أسئلة مشروعة لا يمكن الإجابة عنها بالانطباعات أو الاتهامات، وإنما من خلال أبحاث جدية تجريها الجهات المختصة، لتحديد حقيقة ما يحدث والكشف عن أي استغلال محتمل للقاصرين.

والواقع أن خطورة الظاهرة تتجاوز مدار تريال أطلس، إذ سبق أن أثارت تقارير صحفية انتشار التسول في عدد من المدارات والشوارع الرئيسية بطنجة، حيث يتحرك بعض المتسولين بين السيارات، فيما يوجد أطفال في سن التمدرس وسط حركة المرور، معرضين أنفسهم لمخاطر الدهس والحوادث.

ولا يمكن القبول بأن تتحول الإشارات الضوئية والمدارات الطرقية إلى فضاءات يُقضى فيها الأطفال ساعات طويلة تحت الشمس أو البرد، بدل وجودهم في المدارس أو في بيئة أسرية آمنة. كما لا يجوز أن تتحول براءة الأطفال إلى وسيلة لاستدرار الأموال، أياً كانت صفة الأشخاص الذين يصطحبونهم.

والمثير للاستغراب أن المغرب يتوفر على ترسانة قانونية لمكافحة الاتجار بالبشر، من بينها القانون رقم 27.14، الذي يشمل تجريم الاستغلال في التسول متى توفرت الأركان القانونية للجريمة، ويمنح حماية خاصة للقاصرين. وهو ما يجعل البحث في احتمال استغلال الأطفال ضرورة قانونية وإنسانية، وليس مجرد استجابة لشكايات المواطنين.

إن مدار تريال أطلس يحتاج اليوم إلى تدخل ميداني حقيقي، وليس إلى حملة ظرفية تنتهي بمجرد مغادرة السلطات للمكان.

فالمطلوب من السلطات المحلية والمصالح الأمنية والجهات المكلفة بحماية الطفولة التنسيق من أجل معاينة وضعية الأطفال الموجودين بالمدار، والتحقق من ظروف وجودهم في الشارع، وتحديد هويات الأشخاص المرافقين لهم، والبحث في أي شبهة استغلال أو تنظيم للتسول، مع توفير الحماية والمواكبة الاجتماعية للحالات التي تستدعي ذلك.

كما أن حماية الأطفال يجب أن تظل الأولوية المطلقة، بعيداً عن أي مقاربة تكتفي بإبعاد المتسولين من مدار إلى آخر، دون معالجة الأسباب الحقيقية للظاهرة أو مساءلة من قد يثبت تورطه في استغلال القاصرين.

فطنجة، التي تشهد تطوراً عمرانياً واقتصادياً متواصلاً، لا يمكن أن تتعايش مع مشاهد أطفال يُعرّضون يومياً لمخاطر الطريق، في وقت يفترض أن تكون فيه حمايتهم مسؤولية مشتركة بين مختلف المؤسسات.

والرسالة اليوم واضحة: المطلوب ليس التضييق على الفقراء أو معاقبة المحتاجين الحقيقيين، وإنما التمييز بين الهشاشة الاجتماعية التي تستوجب التضامن، والاستغلال الذي يستوجب المحاسبة.

فإذا ثبت أن هناك أشخاصاً يستغلون الأطفال أو يديرون نشاطاً منظماً للتسول، فإن الأمر يستدعي ترتيب المسؤوليات القانونية دون تردد.

أما استمرار الوضع دون معالجة فعلية، فيطرح سؤالاً لا يقل خطورة عن الظاهرة نفسها:

هل ننتظر وقوع حادث مأساوي لطفل بمدار تريال أطلس حتى تتحرك الجهات المختصة؟ ومن يحمي هؤلاء الأطفال من مخاطر الشارع ومن كل من قد يستغل براءتهم لجمع الأموال؟

إعلان

قد يعجبك ايضا