مافيا التسول تغزو طنجة في أواخر رمضان.. أطفال ورضّع في الواجهة والمدينة تحت حصار الاستغلال
لم يعد التسول في طنجة مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة أو مشاهد إنسانية مؤلمة تستدعي الشفقة، بل تحول — وفق ما عاينته جولة ميدانية قامت بها *طنجة نيوز* — إلى نشاط واسع النطاق يحمل كل مؤشرات التنظيم والاستغلال الممنهج، خصوصًا في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، حيث تتحول المدينة بأكملها تقريبًا إلى ساحة مفتوحة لما يشبه “اقتصادًا خفيًا” يقوم على استثمار الفقر أو التظاهر به.
فلا يكاد يوجد شارع أو ساحة أو مدار طرقي أو إشارة ضوئية بالمدينة إلا وتحتلها مجموعات من المتسولين، اثنان أو أكثر في كل نقطة، ينتشرون بشكل يوحي بوجود توزيع مدروس للمواقع. والمثير أن هذه المشاهد لم تعد تقتصر على الأحياء الشعبية أو الفضاءات التجارية المكتظة، بل امتدت حتى إلى محيط المؤسسات الرسمية الحساسة، بما في ذلك محيط مقر الولاية وولاية الأمن، في صورة تعكس حجم الانفلات الذي بلغته الظاهرة.
لكن أخطر ما رصدته الجولة الميدانية لا يتعلق بالأعداد فقط، بل بنوعية الاستغلال الحاصل، وعلى رأسه استغلال الأطفال. عشرات القاصرين ينتشرون عند الإشارات الضوئية، لا للتسول المباشر فقط، بل أيضًا لبيع المناديل الورقية أو الورود في ظروف خطرة وسط حركة السير، معرضين حياتهم للخطر يوميًا. أطفال يفترض أن يكونوا في المدارس أو في بيوت آمنة، تحولوا إلى أدوات لجلب المال في الشارع، في مشهد يطرح سؤالًا ملحًا: أين المراقبة؟ ومن يحاسب من يدفع بهؤلاء إلى الطرقات؟
ولا يقل المشهد قتامة عند ملاحظة عدد من النساء اللواتي يحملن رضعًا بين أذرعهن أثناء التسول لساعات طويلة، تحت الشمس أو في برودة الليل، في ظروف لا يمكن بأي حال اعتبارها آمنة أو إنسانية للطفل. رضّع يتحولون إلى وسيلة لاستدرار العطف، دون أي وضوح حول هوياتهم أو ظروفهم الصحية أو حتى صلة القرابة بمن يحملهم. من هم آباء هؤلاء الرضع؟ وهل يخضع وضعهم لأي مراقبة اجتماعية أو طبية؟ أسئلة ثقيلة تطرح نفسها بإلحاح كلما تكرر المشهد نفسه في أكثر من موقع.
المواطنون الذين التقتهم *طنجة نيوز* خلال جولتها عبروا عن استياء عميق من هذا الوضع، ليس فقط بسبب الإزعاج المتواصل والإلحاح المفرط، بل أيضًا بسبب الشعور المتزايد بأن المدينة أصبحت هدفًا لشبكات موسمية تستغل رمضان لتحقيق أرباح سريعة، مستفيدة من سخاء السكان وروح التضامن التي تميز هذا الشهر الكريم. ويؤكد كثيرون أن عددا كبيرا من المتسولين لا ينحدرون من طنجة، بل يفدون إليها خصيصًا خلال هذه الفترة قبل أن يختفوا مع نهايتها.
إن أخطر ما في الظاهرة أنها لم تعد تسيء فقط إلى صورة المدينة، بل أصبحت تمس بشكل مباشر سلامة الأطفال وكرامتهم، وتحول العمل الخيري من فعل تضامن نبيل إلى مورد مالي مفتوح للاستغلال. كما أن استمرارها في محيط مؤسسات رسمية وأمنية يعطي انطباعًا مقلقًا بغياب الردع، ويشجع على مزيد من التمدد.
اليوم، لم يعد السؤال هو لماذا ينتشر التسول، بل كيف وصل إلى هذا المستوى من الانتشار والجرأة، ولماذا يتكرر المشهد كل سنة بوتيرة أشد دون معالجة جذرية؟ وهل يعقل أن تظل مدينة بحجم طنجة عاجزة عن ضبط فضائها العام وحماية أطفال يُدفع بهم إلى الشارع يوميًا؟
إن ما كشفته الجولة الميدانية لـ*طنجة نيوز* يدق ناقوس الخطر بوضوح: الأمر لم يعد يتعلق بحالات فردية تستوجب المساعدة، بل بظاهرة معقدة تتداخل فيها أبعاد اجتماعية وأمنية وإنسانية، وتتطلب تدخلًا عاجلًا وحازمًا لا يكتفي بإبعاد المتسولين من مكان إلى آخر، بل يستهدف جذور المشكلة، ويفكك أي شبكات تستغل الأطفال والرضّع، ويوجه المحتاجين الحقيقيين نحو قنوات الدعم الاجتماعي بدل تركهم فريسة لاقتصاد الشارع.
طنجة اليوم ليست في حاجة إلى حملات موسمية محدودة، بل إلى قرار قوي يعيد النظام إلى الفضاء العام، ويحمي الأطفال قبل أي شيء آخر، ويضع حدًا لتحويل رمضان من شهر للتكافل إلى موسم سنوي للتربح على حساب كرامة الإنسان. فإلى متى يستمر هذا الصمت؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يحدث أمام أعين الجميع؟

